الأربعاء، 23 نوفمبر 2016

تقسيم البدعة إلى محمودة ومذمومة

تقسيم البدعة إلى محمودة ومذمومة
نعم البدعة مقسمة إلى محمودة ومذمومة، وعلى هذا جمهور الأمة من الخلف والسلف واستدلوا بقول سيدنا عمر رضي الله عنه عن صلاة التراويح: "نعمت البدعة" وفي رواية: "نعم البدعة"
فمن هو سيدنا عمر رضي الله عنه الذي أثنى على بدعة صلاة التراويح والمواظبة عليها خلف إمام واحد؟
هو الخليفة الراشد، الذي أعز به الله دينه، أمير المؤمنين، الصحابي الجليل، البدري، أحد العشرة المبشرين بالجنة، الذي وافق نزول القرءان في عديد الآيات، الذي يجري الحق على لسانه وقلبه، أشد الأمة في دينها، كما أخبر بذلك المعصوم صلى الله عليه وسلم.
وعن السيدة عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد كان في الأمم محدَّثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر بن الخطاب ". أخرجه مسلم
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن أبي وائل قال‏:‏ قال عبد الله‏ بن مسعود:‏ لو أن علم عمر وضع في كفة الميزان ووضع علم أهل الأرض في كفة لرجح علمه بعلمهم‏.‏
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما أظن أهل بيت من المسلمين لم يدخل عليه حزن يوم أصيب عمر إلا أهل بيت سوء; إن عمر كان أعلمنا بالله، وأقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في دين الله.
وروى الطبراني بسند صحيح عن أبي وائل قال‏:‏ ما رأيت عمر قط إلا وبين عينيه ملك يسدده‏.‏
فلو كانت كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار لما أثنى سيدنا عمر على بدعة. لكن في لغة الكتاب والسنة فإن كلمة (كل) لا تقتضي الشمول، فأحيانًا تعني الشمول وأحيانًا لا، لأنه في لغة الكتاب والسنة العام قد يخصص والخاص قد يعمم. ويكفي للتدليل على ذلك قوله تبارك وتعالى (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) فلو كانت (كل) تقتضي الشمول لما أردف الحق تعالى بقوله (أجمعون)، وقال تعالى عن الريح: (تدمر كل شيء)، ومع ذلك ما دمرت الأرض ولا السموات وكلها أشياء، وقال تعالى على لسان الخضر عليه السلام: (يأخذ كل سفينة غصبًا) وما أخذ السفينة المخروقة، وقال تعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) ولم تسعْ إبليس، ولا مَن مات كافرًا. فهذا ما يعرف بالعام المخصوص.
قال محمد الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (27/425) قوله تعالى: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) دليلاً إضافيًّا فقال: "في الآية حُجَّة لانقسام البِدعة إلى محمودة ومذمومة، بحسب اندراجِها تحتَ نوع من أنواع المشروعيَّة، فتعتريها الأحكام الخمسة، كما حقَّقه الشِّهاب القرافيُّ وحُذَّاق العلماء".
إضافة إلى الزيادةُ التي أخرجها الحافظُ الترمذي من حديث عبدالله بن عبدالرحمن وحسَّنه في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم لبلال بن الحارث رضي الله عنه: :ومَن ابتدعَ بدعةً ضلالة"؛ لذا فالبدعة لا تُذمُّ بإطلاق، بل بِشَرْط أن تكون ضلالة، وأن تكون مخالِفةً لكليات الشريعة، فاقتضى هذا كلُّه أنَّ البدعة إذا لم تكنْ كذلك لم يَلْحقْها ذمٌّ، ولا يَتْبَع صاحبَها وزر.
أما من أمثلة علماء الأمة المتفق على علمهم وجلالتهم الذين قسموا البدعة إلى محمودة ومذمومة وإلى الأقسام الخمسة:
قال الشافعي رضي الله عنه: المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة. رواه البيهقي في (مناقب الشافعي) (ج1/469)، وذكره الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): (13/267).
وروى الحافظ أبو نعيم في كتابه حلية الأولياء ج 9 ص76 عن إبراهيم بن الجنيد قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه يقول: البدعة بدعتان، بدعة محمودة، وبدعة مذمومة. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان: نعمت البدعة هي" اهـ
وقال الإمام الحافظ العلامة أبو شامة المقدسي [ت 665هـ] في (الباعث على إنكار البدع والحوادث):
"فالبدع الْحَسَنَة مُتَّفق على جَوَاز فعلهَا والآستحباب لَهَا ورجاء الثَّوَاب لمن حسنت نِيَّته فِيهَا وَهِي كل مُبْتَدع مُوَافق لقواعد الشَّرِيعَة غير مُخَالف لشَيْء مِنْهَا وَلَا يلْزم من فعله مَحْذُور شَرْعِي وَذَلِكَ نَحْو بِنَاء المنابر والربط والمدارس وخانات السَّبِيل وَغير ذَلِك من أَنْوَاع الْبر الَّتِي لم تعد فِي الصَّدْر الأول فَإِنَّهُ مُوَافق لما جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة من اصطناع الْمَعْرُوف والمعاونة على الْبر وَالتَّقوى"
وقال النووى فى شرحه على صحيح مسلم"(6/154-155): قوله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ) هذا عامٌّ مخصوص، والمراد: غالب البدع. قال أهل اللُّغة: هي كلّ شيء عمل عَلَى غير مثال سابق. قال العلماء: البدعة خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرَّمة، ومكروهة، ومباحة. فمن الواجبة: نظم أدلَّة المتكلّمين للرَّدّ عَلَى الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك. ومن المندوبة: تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والرّبط وغير ذلك. ومن المباح: التّبسط في ألوان الأطعمة وغير ذلك. والحرام والمكروه ظاهران، وقد أوضحت المسألة بأدلَّتها المبسوطة في (تـهذيب الأسماء واللُّغات) فإذا عرف ما ذكرته علم أنَّ الحديث من العامّ المخصوص، وكذا ما أشبهه من الأحاديث الواردة، ويؤيّد ما قلناه قول عمر بن الخطَّاب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في التّـَراويح: نعمت البدعة، ولا يمنع من كون الحديث عامًّا مخصوصًا قوله: (كُلُّ بِدْعَةٍ) مؤكّدًا بـــــــ كلّ، بل يدخله التَّخصيص مع ذلك كقوله تعالى: {تُدَمّرُ كُلَّ شَىءٍ} [الأحقاف،ءاية 25]اهـ
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح (ج4/298): قوله قال عمر: "نعم البدعة" في بعض الروايات "نعمت البدعة" بزيادة التاء، والبدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأحكام الخمسة. انتهى
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، شرح صحيح البخاري، المـجلد الثاني، كِتَاب الْجُمُعَةِ، باب الأَذَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: "وكل ما لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنا ومنها ما يكون بخلاف ذلك" اهـ.
وقال في الفتح أيضًا 13/254: "والمراد بقوله كل بدعة ضلالة ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام ". اهـ
وقول الحافظ (عام) أي أنه لا دليل عليه بخصوصه ولكن دل الدليل على أصله.
وقال محمد الزرقاني المالكي في شرحه للموطأ (ج1/238) عند شرحه لقول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: "نعمت البدعة هذه" فسماها بدعة لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يسنّ الاجتماع لها ولا كانت في زمان الصديق، وهي لغة ما أُحدث على غير مثال سبق وتطلق شرعًا على مقابل السنة وهي ما لم يكن في عهده صلى اللّه عليه وسلم، ثم تنقسم إلى الأحكام الخمسة. انتهى
وقال الشيخ ابن عابدين الحنفي في حاشيته (1/376): "فقد تكون البدعة واجبة كنصب الأدلة للرد على أهل الفرق الضالة، وتعلّم النحو المفهم للكتاب والسنة، ومندوبة كإحداث نحو رباط ومدرسة، وكل إحسان لم يكن في الصدر الأول، ومكروهة كزخرفة المساجد، ومباحة كالتوسع بلذيذ المآكل والمشارب والثياب"انتهى.
وقال بدر الدين العيني في شرحه لصحيح البخاري (ج11/126) عند شرحه لقول عمر ابن الخطاب رضي اللّه عنه: "نعمت البدعة" وذلك عندما جمع الناس في التراويح خلف قارىءٍ وكانوا قبل ذلك يصلون أوزاعًا متفرقين: "والبدعة في الأصل إحداث أمر لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم البدعة على نوعين، إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي بدعة حسنة وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح في الشرع فهي بدعة مستقبحة"انتهى.
وقال ابن رجب الحنبلي: «والمراد بالبدعة ما أحدث مما ليس له أصل في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغة»
وقال التفتزاني: «ومن الجهل من يجعل كل أمر لم يكن في عهد الصحابة بدعة مذمومة، وإن لم يقم دليل على قبحه، تمسكاً بقوله عليه الصلاة والسلام: "إياكم ومحدثات الأمور" ولا يعلمون أن المراد بذلك هو أن يجعل من الدين ما ليس منه»
فهذا الذي عليه السواد الأعظم من المسلمين والأمة لا تجتمع على ضلال، بل إن البدعة الحسنة سنة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه الإمام مسلم في صحيحه: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيء)، وقال بالنص: (في اللإسلام). قال النووي "في شرحه على صحيح مسلم"(16/226-227) : قوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا...) إلى ءاخره. فيه: الحث على الابتداء بالخيرات، وسن السنن الحسنات، والتحذير من اختراع الأباطيل والمستقبحات، وسبب هذا الكلام في هذا الحديث أنه قال في أوله: "فجاء رجل بصرة كادت كفه تعجز عنها فتتابع الناس". وكان الفضل العظيم للبادي بـهذا الخير والفاتح لباب هذا الإحسان. وفي هذا الحديث: تخصيص قوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، وأن المراد به المحدثات الباطلة والبدع المذمومة".اهـ
وقوله في الجزء الأخير من الحديث: (ومن سن في الإسلام سنة سيئة) يدل على أن المقصود بالسنة الحسنة أو السيئة البدعة الحسنة أو السيئة لأن الإسلام ليس فيه سنة سيئة أصلًأ إلا أن تضاف إليه إضافة، فكل من ابتدع أمرًا ونسبه للإسلام وليس له أصل في الدين يدل عليه فقد فعل بدعة ضلالة، والأمثلة على ذلك كثيرة: كالتكفير والتشريك والتبديع والخروج وتفريق الأمة، فكل هذه الأمور بدع ضلالات توظف فيه نصوص دينية يساء فهمها، وهذا منهج الخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه واتهموه بتحكيم الرجال في كتاب الله عندما أساؤوا فهم قوله تعالى: (إن الحكم إلا لله). فناظرهم سيدنا عبد بن عباس رضي الله عنهما وحجهم فرجع منهم آلاف بعد أن رأوا سوء فهمهم وضلالاهم، والخوارج هم الخوارج الأمس واليوم.
أما وصف البدعة الحسنة بأنها وسيلة إلى مشروع، وأنه من المقرر أن سائل المشروع مشروعة فهو لعب بالألفاظ وترويج للباطل وللفلسفات المادية الخبيثة كالميكافيلية التي تنص على أن الغاية تبرر الوسيلة، وهذا غير مقرر إلا عند الجهلاء وحدثاء الأسنان.
وذلك لأن الغايات والمقاصد لا تبرر الوسائل، فمتى ما كانت الغاية مشروعة استلزم أن تشرَّع لها وسائلها التي تبلغ بها: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا). إن الثراء مشروع لكن ليس بالقمار ولا الربا ولا أكل أموال الناس بالباطل، وإن التداوي مشروع لكن التداوي بالحرام حرام.
وليس من شيء أعظم مشروعية من عبادة الله تبارك وتعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) لكن ليس بالهوى ولا بكل وسيلة، بل بالوسائل التي شرعها الله تبارك وتعالى وأرسل بها رسله عليهم السلام.
فاتقوا الله تبارك وتعالى ولا تقولوا على الله ما لا تعلمون
#البدعة #السلف #الخلف