الأربعاء، 23 نوفمبر 2016

ملمح من واقع الشباب

ملمح من واقع الشباب

نرجع الى سنوات خلون عندما توفي لاعب كرة قدم نصراني مشهور داخل الميدان وفي هذا السودان، البلد الذي فيه الدين وثقافته تكاد تكونان مثل الهواء الذي يتنفسه الناس، أي انه أعلى درجة في الأهمية من الطعام والشراب!!
ماذا حدث حينها؟!!
انتحر بعض الشباب، وصُدم آخرون، وجن آخرون، وتاه آخرون ،وأعلن آخرون ان الحياة بعد "ايداهور" النصراني الذي لم يسهم في صناعة التاريخ الإنساني وصياغة حياة البشريه إلا بقدر دفعه تلك الكره بقدمه، أعلنوا أن الحياة بعده صارت يباب خراب لا قيمة لها!!!
حينها طاف على خاطري إن  التاريخ لم يصور لنا حقيقة الذي قد حصل على الذين أهالوا التراب على جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فقلت في نفسي يا ليتني لو أستطيع ان أرجع عبر كبسولة الزمن الى صدر واحد منهم لأصور لكم شعور وأحاسيس رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، هم أصحاب  النبي صلى الله عليه وسلم. شعورهم وهم يهيلون التراب على سيد البشرية جمعا من لدن آدم الى قيام الساعة وسيد الخلق أجمعين.. ما كان شعور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يستمعون إلى سيدة نساء العالمين رضي الله عنها وهي تخاطبهم قائلة: (أطابت أنفسكم ان تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب)؟! موقف تتفطر له القلوب..
كم يكون شعور الصحابي الذي رسم لنا الصورة المحزنة للصحابة رضوان الله عليهم في اليوم الذي إنتقل فيه النبي صلى الله عليه وسلم حين وصفهم بالشياه المطيرة في ليلة شاتية!! كان فقدًا جللًا.
وقد كان الصحابة يشتاقون إلى النبي صلى الله عليه وسلم شوقًا شديدًا في حياته وبعد مماته، فهذا ثوبان مولاه رضي الله عنه وكان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم النبي صلى الله عليه وسلم وقد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما غير لونك"؟ فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك لأنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا!!
لقد أحب الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم حباً لم يعرف التاريخ مثله، حتى قال أنس: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْبِلُ وَمَا عَلَى الْأَرْضِ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْهُ) [رواه أحمد بسند صحيح].
وسُئِل سيدنا علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: "كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا، وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ".
"َلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ" يقول سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه: "لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ"

كُلُّ القلوب إلى الحبيب تميلُ        ومعي بهذا شاهدٌ ودليـــلُ
أما الدليلُ إذا ذكرت محـمداً         صارت دموعُ العارفين تسيلُ
 ..
قال سيدنا أنس رضي الله عنه: (لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وقال: ما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا).
 فهل تذاكر شبابنا هذه المعاني .. !!؟
وسيدنا عمر رضي الله عنه لم تمنعه قوة شخصيته ولا غضبه في الحق أن يكون صاحب مشاعر حساسة وقلب مرهف تجاه النبي صلى الله عليه وسلم فقد فرض لأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَخَمْسِ مِائَةٍ، وَفَرَضَ لابنه ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فسأله ابنه عن ذلك فقال: (لأَنَّ زَيْدًا كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبِيكَ، وَأُسَامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْكَ، فَآثَرْتُ حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ)!!
الله الله على نبل الصحابة ورقيِّهم!

وعندما أدرك الأجل المحتوم  فنانًا من الفنانين (مغنيًا) قيل أنه كان يعول الفقراء من الطلاب، ويسرع في عون المحتاجين، ويعول عددًا من الأسر الفقيرة رأينا شبابا قد أقام الليالي والأيام على قبره الذي كانت تحرسه قوات الأمن مخافة النبش الذي هدد به بعض الشباب المعتوه، وحتى إن منهم من أصر على أن يدفن معه، وأنه لا طعم للعيش بعده!! نحن لا نقلل من قدر أحد ولكن هل تعتقد أن مثل هولاء الشباب قد وعوا من هو الرسول صلى الله عليه وسلم!!! الذي بعث رحمة للعالمين، والذي ما فاقه أحد قط في مكرمة من مكارم الأخلاق !! الذي كان أبا لكل الضعفاء والفقراء والأيتام، والذي ما سئل شيئًا قط فقال: "لا"!!
 فمن مثله صلى الله عليه وسلم؟! ..
والله لو عرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا لما ماتوا لأجل محبة غيره، ولما أفنوا العمر عاكفين على الاقتداء بغيره!! فأين شبابنا اليوم من نجوم الزيف والخداع، نجوم الأوهام والخزعبلات أمثال جون سينا، وميسي ورونالدو وغيرهم الذين ينحت ابناء المسلمين اليوم أسماءهم بالنار على أجسامهم والوشم في ديننا أصلًا حرام!! هل عرف هولاء نبيهم صلى الله عليه وسلم حقًا؟! السراج المنير، البشير النذير !؟! والله لو عرفوه لما أحرقوا أجسادهم إظهار لمحبة غيره !!
وفي ظل هذا الواقع الأليم المؤسف بعض الناس يسعون لتفويت سانحة وفترة قصيرة في السنة هي أيام تعريفية بالمصفطى صلى الله عليه وسلم في ذكرى المولد النبوي الشريف يتعرف فيها الشباب على اليسير من قدر النبي صلى الله عليه وسلم. نعم هو يسير لكن شيء خير من لا شيء، ومع ذلك هناك من يعترض ويتشنج لتفويت هذه السانحة. لذلك أقولها مدوية: في هذا الزمان لا ينبغي ان يقال للإحتفال بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم أنه جائز فقط بل هو واجب من الواجبات العظيمة لأن القاعدة الأصولية تقرر أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب!  ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة بل يجب أن تكون أعظم من محبة النفس، وفي هذا الزمان أوجب لطول المدة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، كيف لا وفي شباب المسلمين اليوم عدد معتبر ممن يحب غير النبي صلى الله عليه جهلا لدرجة الموت انتحارًا خاسرًا للدنيا والآخرة!! من مثله صلى الله عليه وسلم ليستحق كل الحب!؟؟ الشجاعة، القوة، الكرم والجود، الرأفة، الرحمة الشفقة، الحنان، العطف، الحب، المزاح الراقي، وكل صفة حميدة تمامها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن من يخبر الشباب والأجيال بهذا؟ من يحرك وجدانهم تجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! من؟ وعندما تأتي سانحة ليتعرف الشباب في أيام المولد على السراج المنير صلى الله عليه وسلم يخرج لك من حيث لا تدري قوم يقطعون على الشباب الطريق،  ويصدونهم بحجة أن المولد بدعة، وهم يعلمون أن أكابر العلماء في الأمة في مختلف العصور وحتى زمان قريب كانوا يحضرون احتفالات المولد وألفوا فيه الكتب البديعة كابن كثير صاحب التفسير والإمام الحافظ السيوطي. والله لو كان الصحابة بيننا لأوجبوا علينا الإحتفال من فرط ما عليه الشباب اليوم من إهمال العناية برسولهم صلى الله عليه وسلم. والمولد ذكرى طيبة، ولا يأبى الذكرى إلا أحمق أو غير مؤمن لأن الذكرى تنفع المؤمنين: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [سورة الذاريات: 55]
والشباب اليوم أحوج ما يكون إلى الذكرى، فنحن في آخر الزمان، والفتن فيه كقطع الليل المظلمة.