السبت، 26 نوفمبر 2016

التشويش الناجم عن الفهم الخاطئ للبدعة

التشويش الناجم عن الفهم الخاطئ للبدعة:
يعلم العقلاء أهل الفهم السليم أن للبدعة تعريفان:
أحدهما تعريف جماعة مستفيضة من أهل العلم من السلف والخلف كالإمام الشافعي، والإمام الخطَّابي، والإمام الحافظ البيهقي، والإمام الغزالي، والإمام الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي، والإمام الحافظ ابن حزم الظاهري، والإمام الحافظ أبو شامة المقدسي، وسلطان العلماء العز بن عبد السلام، والإمام الحافظ النووي، والحافظ ابن رجب الحنبلي، وأمير المؤمنين في الحديث الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، والإمام العلامة قاضي القضاة بدر الدين العيني الحنفي، والعلامة أحمد بن يحيى الونشريسي المالكي، والإمام الحافظ جلال الدين السيوطي، وخلق كثير من أهل العلم المشهود لهم بالتقوى والورع وغزارة العلم والإمامة.
والتعريف الآخر ينسب إلى أحد فقهاء الأندلس، أشعري العقيدة، مالكي المذهب، عاش في القرن الثامن الهجري ويسمى إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي الغرناطي، ولد وعاش في غرناطة وتوفي بها سنة 790 هجرية، فقل عدد شيوخه الذين أخذ عنهم بسبب مكوثه بغرناطة وعدم مغادرته لها طلبًا للعلم. له كتاب في أصول الفقه اسمه "الاعتصام" عليه مآخذ كثيرة حاول فيه التنظير في أمر البدع فما أجاد، وهو ليس الإمام أبو محمد القاسم بن فيره الشاطبي إمام القراءات المعروف المتوفى سنة 590 هـ.
أما التعريف الأول، وهو تعريف الجمهور فيقسم البدعة إلى محمودة ومذمومة، حسنة وسيئة، وأن البدعة الحسنة هي ما كان لها في الدين أصل يدل عليها، ولو لم تعمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التقسيم قد أصَّل له النبي صلى الله عليه وسلم ودرَّب الصحابة عليه في حياته من خلال سنته التقريرية، ومن خلال الترغيب في السنن الحسنة، وأسس له شريعةً في إتباع سنة الخلفاء الراشدين.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:
«البدعة بدعتان، بدعة محمودة، وبدعة مذمومة. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان: نعمت البدعة هي» أخرجه أبو نعيم في الحلية والبيهقي في مناقب الشافعي.
وقال الإمام الحافظ ابن الأثير في النهاية: «البدعة بدعتان؛ بدعة هدى وبدعة ضلالة»
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم: «والمراد بالبدعة ما أحدث مما ليس له أصل في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل في الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة، وإن كان بدعة لغة»
وقال الإمام الحافظ ابن حجر في فتح الباري:
«وكل ما لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم يسمى بدعة، لكن منها ما يكون حسنًا ومنها ما يكون بخلاف ذلك " اهـ.
وقال إمام الحنفية في زمانه العلامة التفتزاني في شرح المقاصد:
«ومن الجهل من يجعل كل أمر لم يكن في عهد الصحابة بدعة مذمومة، وإن لم يقم دليل على قبحه، تمسكاً بقوله عليه الصلاة والسلام: "إياكم ومحدثات الأمور" ولا يعلمون أن المراد بذلك هو أن يجعل من الدين ما ليس منه»
أما التعريف الثاني فشاذ ومخالف لجمهور السلف والخلف، ينسب إلى أبي إسحاق الشاطبي الغرناطي وابن تيمية الحراني الذان تعاصرا وعاشا في الثامن الهجري. وتعريفه يجعل كل عمل ديني بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بدعة ضلالة، ولا يقبل مفهوم البدعة الحسنة بالمطلق، ويتكلف مصطلحات ومفاهيم بدعية في ذاتها لتبرير الأمور الدينية والبدع الحسنة التي استجدت في حياة المسلمين بعد وفاة المصطفى صلى الله عليه وسلم، كصلاة التراويح، وصلاة التهجد، والأذان الثاني يوم الجمعة، وجمع القرءان، وتنقيط المصحف وتشكيله، وبناء المآذن، وتصنيف العلوم الإسلامية كعلم مصطلح الحديث، وإنشاء المدارس والمعاهد والجامعات الدينية، وإقامة المؤتمرات الإسلامية والأسابيع الدعوية، وغيرها.
ولقد تبنى التكفيريون التعريف الثاني لأنه يسمح لهم بالغلو والتشدد والتذرع على المسلمين والتضييق عليهم، واستحلال دمائهم وقتلهم، ولا يشعرون بأن مسلكهم هذا هو في الحقيقة أوضح مثال على البدعة الضلالة التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
#البدعة