بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ
أوَّلُ ما يبتدئ به القارئ فاتحة الكتاب مرةً واحدةً، والإخلاص ثلاثًا والمُعَوِّذَتَينِ ثلاثًا ثم يقرأ من أول سورة الفتح:
﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا ١ لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢ وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا ٣ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٤ لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَئَِّاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٥﴾
ثُمَّ يهلل عشرين مرةً، ويقرأ من آخر سورة الفتح:
﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطَۡٔهُۥ فََٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا ٢٩﴾
ثُمَّ يقرأ هذه الصلاة: ﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ العَال، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ أضْحَى عَلَى نَهْجِهِمَا وَال﴾ ثلاثًا ثم يشرع في قراءة المولد.
الحَمدُ للهِ الذي بَدَأ الوُجُودَ بِنُورِ الذَّاتِ المُحَمَّديَّة، وأبرَزَهُ مُكَمَّلًا خَلْقًا وخُلُقًا كما أَراد. وجَعَلَهُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ خَلْقًا وآخِرَهُم بَعْثًا وأعلاهُم مَزِيَّة، وأرسَلَهُ للنَّاسِ كافَّةً وفَضَّلَهُ عَلَى سائرِ العِباد. فهُوَ واسِطَةُ الوُجُودِ وعَيْنُ مِرآةِ الشُّهُودِ وفَلَكُ الدَّائرةِ الْجَلالِيَّة، إنسانُ عَيْنِ الكَمالِ ونامُوسُ الْجَمالِ والهادي إلى الرَّشاد. ظاهِرُ هَيْكَلِ اللَّطائفِ وباطِنُ كَنْزِ المَعارِفِ اللَّدُنِّيَّة، السَّاري في مَيادِينِ الحَقائقِ والْجالِي لِدُجَىٰ الضَّلالِ بطَلْعَةِ نُورِهِ الوَقَّاد. الذي أُرِسِلَ بَشِيرًا للمُؤمِنينَ ونَذِيرًا للمُكَذِّبِينَ بِيَومِ الدِّينِ وأحْوالِهِ الغَيْبِيَّة، المَخصُوصُ بالشَّرَفِ والمَجْدِ والمَقامِ المَحمُودِ الشَّافِعُ السَّجَّاد. لَهُ الحَمدُ والشُّكرُ عَلَى ما أوْلَانا مِن نِعَمِهِ الفَضلِيَّة، إذ أهَّلَ عُقُولَنا للإيمانِ وأمَدَّنا بنِعْمَةِ الإستِمْداد. وخَصَّنا بالإتِّباعِ لهذا النَّبيِّ الأُمِّيِّ وجَعَلَنا بهِ أُمَّةً خَيرِيَّة، تأمُرُ بالمَعرُوفِ وتَنهَىٰ عن المُنكَرِ والفَساد. وتُؤمِنُ باللهِ وملائكتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ المُبَشِّرِيَّة، وسائرِ النَّبِيِّينَ والحَوضِ والصِّراطِ في المِيعاد. ومِن رَحمَتِهِ أنْ قالَ ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا﴾ فما أعظَمَ هذه المَزِيَّة، وأتْبَعَها ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ فَطُوبَىٰ لأُمَّةٍ هُم شُهَداءُ اللهِ في العِباد. وقد أجْزَلَ مِنَّتَهُ إذ جَعَلَ نَبِيَّنا خَيرَ نَبِيِّ أُرسِلَ إلى البَرِيَّة، وكِتابَنا خَيرَ كِتابٍ ودِينَنا خَيرَ دِينٍ وعن طُرُقِ الضَّلالَةِ حاد. وجَعَلَ عُلَماءَ مِلَّتِنا كأنبِياءِ الأُمَّةِ الإسرائيليَّة، سُبحانَهُ لا يُسألُ عمَّا يَفعلُ البَرُّ الرَّحِيمُ الْجَوَّاد. وأسألُهُ حِفظًا مِن الخَطَأِ والتَّبدِيلِ في هذه القِصَّةِ المَوْلِدِيَّة، وأنْ يأخُذَ بِيَدِي مِن العُثُورِ ويَشرَحَ صَدْري لذلكَ والفُؤاد. وأنْ يُؤهِّلَ ما يَسَّرَهُ للقَبُولِ وجَمِيعَ أفعالِنا الخَيرِيَّة، ويَنْظِمَنا في سِلْكِ المُحِبِّينَ ويَرفَعَنا دَرَجاتِ المُقَرَّبِينَ خَيرِ عِباد. وأصَلِّي وأسَلِّمُ عَلَى النُّورِ المَوصُوفِ بالتَّقَدُّمِ والأوَلِيَّة، وآلِهِ وصَحبِهِ الكِرامِ البَرَرَةِ الأمجاد. النَّاصِرِينَ الحَقَّ بِبِيضِ سُيُوفِهِم الهِندِيَّة، مُرتَضِينَ اللهَ رَبًّا بِخُضُوعٍ وتَذَلُّلٍ وانقِياد. وأشهَدُ أنْ لا إلٰهَ إلَّا اللهُ شَهادَةً حَقِّيَّة، أرقَىٰ بِها دَرَجَ العِنايَةِ وأستَمنِحُ مِن اللهِ المُراد. وأشهَدُ أنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ المُبَلِّغُ ما أُمِرَ بتَبلِيغِهِ بالكُلِّيَّة، الصَّادِقُ الأمِينُ الظَّاهِرُ الحُجَّةِ عَلَى أهْلِ الزَّيغِ والإلحاد. فكُلُّ النَبِيِّينَ والمُرسَلِينَ يُحشَرُونَ عَلَى قَدَمِهِ المَقْفِيَّة، ويستَظِلُّونَ تَحتَ لِوائِهِ ويَشرَبُونَ مِن حَوضِهِ المُزاد. وأنَّهُ الحَبِيبُ الذي تُرجَىٰ عَواطِفُ بِرِّهِ ونَفَحاتُهُ الشَّذِيَّة، والسِّراجُ المُنِيرُ الذي بِباهِرِ آياتِهِ أضاءتِ الأغوارُ والأنجاد. وأستَعِينُ بِلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ وأتَبَرَّأُ عنهُما بالكُلِّيَّة، فهُوَ المُبْدِئُ المُعِيدُ المُوصِّلُ ما يُرِيدُ إلى ما أراد. وقد حَثَّ الشَّارِعُ بالإكثارِ مِنها عِندَ نُزُولِ البَلايا المَخشِيَّة، وَأوْعَدَ بالكَشفِ عن قائلِها فيَنجُو مِن ظُلمَةِ الشُّكُوكِ والإبعاد. ويَحوِي بِها عُقُودَ الْجَواهِرِ مِنْ المَواهِبِ اللَّدُنِّيَّة، التي شُرِّفَتْ بِها العَوالِمُ مِن قَولٍ وعَمَلٍ واعتِقاد. ثُمَّ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى صاحِبِ القَبضَةِ السَّنِيَّة، ما ارْفَضَّ[ ] في الأقطارِ صَوْبُ الغَمامِ وجاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وبَعدُ، فَيقُولُ العَبدُ الفقيرُ إلى مَولاهُ ذو العَطِيَّة، المُنفَرِدِ بالمُلكِ والخَلْقِ والرِزقِ والمَوتِ والإيعاد. هُوَ اللهُ الرَّحمنُ الرَّحيمُ الواحِدُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ العَلِيَّة، عالِمُ الغَيبِ والشَّهادَةِ المُنَزَّهُ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ والأَنداد. الغَنِيُّ بِهِ عمَّا سِواهُ في جَميعِ أحوالِهِ الظَّاهِرَةِ والخَفِيَّة، الرَّاجِي تَمامَ المَواهِبِ في هذا النَّسَبِ المَحفُوظِ مِن الفَساد. مُحَمَّدٌ أحْمَدُ نَجلُ طَه، الشَّهِيرُ بالرُّكَينِ، السُّالِكُ عَلَى نَهجِ السُّنَّةِ المَرْضِيَّة، وَفَّقَهُ اللهُ والمُسلِمينَ لِما يَرضاهُ وأكرَمَهُ بِخَيرِ الزَّاد. اللَّهُمَّ أرسِلْ عَلَى الْجَمِيعِ مَعَ الأبناءِ والإخوانِ سَحائبَ رَحمَتِكَ العَمِيمِيَّة، وأوصِلْ كُلَّ سالِكٍ يَنمِي إلى سَبِيلِ الخَيرِ والرَّشاد. فَوَقَعَ في نَفسِي وتَعَلَّقَ خاطِرِي بِسَبقِ عَزْمٍ وحُسنِ طَوِيَّة، أن أُصَنِّفَ مَولِدًا في قِصَّةِ مِيلادِ النَّبيِّ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُزلَةٍ وانفِراد. ولَمْ أزَلْ أُقَدِّمُ رِجْلًا وأُأَخِّرُ أُخرَىٰ وأُحْجِمُ بِالكُّلِّيَّة، خَشيَةَ السُّقُوطِ في مَهاوِي الْجَهلِ ومَواطِنِ الغَفلَةِ وجَلىٰ الْفُؤاد. فَرَجَوتُ اللهَ تَعالى وتَوَسَّلتُ بأوجَهِ الخَلائقِ لَدَيهِ ونَبِيِّهِ ذِي الطَّلعَةِ البَهِيَّة، لِتَمامِ القَصْدِ ونَشرِ ما يَؤُولُ إلى السَّداد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما غَرَّدَتْ بَلابِلُ الخُطَباءِ فَوقَ أعوادِهِم المِنبَرِيَّة، وما استَوتْ صُفُوفُ المَلائكَةِ حَولَ العَرْشِ ومِنهُم راكِعٌ أو سَجَّاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وَلَمَّا أرادَ اللهُ تَعالى أن يُظهِرَ آثارَ قُدرَتِهِ الظَّاهِرَةِ الْجَلِيَّة، قَبَضَ قَبضَةً مِن نُورِهِ الباقِي سُبحانَهُ مَدَى الآباد. وأودَعَها مَكنُونَ غَيبِهِ لِحِكمَةٍ يَعلَمُها خَفِيَّة، فمِنها كانَ مُحَمَّدٌ الهادِي إلى الرَّشاد. وخَلَقَ مِن نُورِهِ العَرْشَ وحَمَلَتَهُ والكُرسِيَّ وخَزَنَتَهُ المَلَكِيَّة، واللَّوحَ والقَلَمَ والْجِنانَ ومِنهُ سائرُ الإمداد. ومِن رَشْحِهِ خَلَقَ أرواحَ الأنبِياءِ ومِن نَتائجِهِ أرواحَ السُّعَداءِ أهْلِ الخُصُوصِيَّة، وقَرَنَ اسْمَهُ مَعَ اسْمِهِ تعالىٰ في التَشَهُّدِ والأذانِ عَلَى رُؤوسِ الأشهاد. ووَرَدَ لَمَّا كُتِبَ عَلَى ساقِ العَرشِ (لا إلٰهَ إلَّا اللهُ) اضطَّرَبَ خَشيَةً لِعَظَمَةِ الرُّبُوبِيَّة، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) اطمَأنَّ وسَكَنَتْ أركانُهُ مِن الإرتِعاد. وعَلَى الحُجُبِ والرَّفرَفِ واللَّوحِ والقَلَمِ والكُرسِيِّ وأوراقِ الشَجَرَةِ الطُّوبِيَّةِ[ ]، وعَلَى أجنِحَةِ المَلائكَةِ ونُحُورِ العِينِ وسُقُوفِ الْجِنانِ وِراثَةِ أهْلِ الإسعاد. فَتَنَبَّهْ أيُّها السَّامِعُ واستَبشِرْ بِما خُصَّ بِهِ نَبِيُّكَ مِن مَزِيَّة، لِما صَحَّ أنَّهُ أوَّلُ الأنبِياءِ نُورًا وذِكرًا وآخِرُهُم إيجاد. وناهِيكَ قَولُهُ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ (أوَّلُ ما خَلَقَ اللهُ نُورُ نَبِيَّكَ يا جابِرُ) عِنايَةً أزَلِيَّة، وغَيرُ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الإسناد. وكَما رُوِيَ عن جِبرِيلَ حِينَ قالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمْ عُمِّرْتَ يا جَبرِيلُ في الأوَلِيَّة؟ فَقالَ: لا أدرِي غَيرَ أنَّ كَوكَبًا يَبدُو في الحِجابِ الرَّابِعِ وَقَّاد. بَعدَ كلِّ سَبعِينَ ألفَ سَنَةٍ مَرَّةً جَلِيَّة، وقد رَأَيتُهُ اثنَينِ وسَبعِينَ ألفَ مَرَّةٍ بِإعداد. فأجابَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَمدًا للهِ وإظهارًا لِرُتبَتِهِ العَلِيَّة: وعِزِةِ رَبِّي وجَلالِه يا جَبرِيلُ أنا ذَلِكَ النُّورُ الذي يَعلُو ويَزداد. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما نُظِمَتْ عُقُودُ المَحافِلِ بِأوصافِهِ الدُّرِيَّة، وما أُبدِيَتْ شُؤونٌ في المُلكِ مِن حَضرَةِ العِزِّ والانفِراد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
فأقُولُ هُوَ سَيِّدُنا مُحَمَّدٌ بنُ عَبدِ اللهِ الشَّهِيرِ بالذَّبِيحِ عِندَ أهْلِ العُلُومِ النَّسَبِيَّة، ولِما وَرَدَ عَنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: أنا ابنُ الذَّبِيحَيْنِ الأسياد. ابنُ عَبدِ المُطَّلِبِ واسمُهُ شَيْبَةُ الحَمْدِ لِحَوْيِهِ المَفاخَرَ السَّنِيَّة، ابنُ هاشِمٍ الذي اشتُهِرَ بالْجُودِ والشَّجاعَةِ في زَمَنِهِ وَقاد. ابنُ عَبدِ مَنافٍ بنُ قُصَيٍّ سُمِّيَ بِهِ لِتَقاصِيِهِ في بِلادِ قُضاعَةَ القَصِيَّة، واسمُهُ مُجَمِّعٌ لِجَمْعِهِ القَبائلَ بَعدَ التَّفَرُّقِ في البِلاد. ابنُ كِلابٍ بنُ مُرَّةَ بنُ كَعْبٍ بنُ لُؤيٍّ أنسابًا قَرَشِيَّة، ابنُ غالِبٍ بنُ فِهْرٍ الذي يَنتَمِي إلَيهِ الكُلُّ بِجَمْعٍ وانفِراد. واسمُهُ قُرَيشٌ، لقد تَفَرَّعَتْ عَنهُ هذه الأنسابُ القُرَشِيَّة، وما فَوقَهُ كِنانِيٌّ كَما جَنَحَ إلَيهِ أهْلُ السَّداد. ابنُ مالِكٍ بنُ النَّضِرِ بنُ كِنانَةَ المَحْمِيَّة، ابنُ خُزَيْمَةَ بنُ مُدْرِكَةَ بنُ إلياسَ الذي في قَومِهِ ساد. ابنُ مُضَرَ بنُ نِزارٍ بنُ مَعَدٍّ بنُ عَدْنانَ سِلْسِلَةٌ ذَهَبِيَّة، إلى الذَّبِيحِ إسماعِيلَ يَنتَمِي بِلا رَيبٍ عِندَ أهْلِ النَّصِّ المُستَفاد.
نَسَبٌ عنِ السِّـفاحِ مُبَرَّأُ
كَوكَـبٌ مِن كَوكَبٍ يتَلألأُ *
* وعُقُـودُهُ كاللآلِ تَنَضَّدُ
يَعلُو عَلَى الْجَـوزاءِ نُورٌ يَصْـعَدُ
فهَذا النَّسَبُ لَمْ يَلْحَقْهُ قَطُّ سِفاحُ الْجاهِلِيَّة، بِحِفِظٍ مِن اللهِ تَعالى في الآباءِ والأمَّهاتِ والأجداد. وهُوَ مِن صُلبٍ طاهِرٍ إلى رَحِمٍ طَيِّبٍ مِن الأوَلِيَّة، إلى أن وَصَلَ إلى عَبدِ اللهِ وبِنتِ وَهْبٍ سُلالَةِ الأمجاد. وضُوِّعَ[ ] مِنها مِسكُ الخِتامِ في الكَونِيَّة، وأشرَقَ مُحَيًّا طاهِرَ الْجِسمِ والفُؤاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما نُشِرَتْ سَحائبُ الرَّحمَةِ وعَمَّ نَداها أكْوانٌ قُطرِيَّة، وما زُخرِفَتْ مَيادِينُ المَحافِلِ في مَواسِمَ وأعياد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ثُمَّ اعلَمْ هذه القَبضَةَ الأصلِيَّةَ النَّورانِيَّة، ما زالَ يُنقَلُ مِن وَجهِ آدَمَ إلى ابنِهِ شِيثَ وغيرِهِ مِن الأجداد. حتى سُمِعَ في صُلبِ إلياسَ دَويٌ بالتَّلبِيَةِ الْجَهرِيَّة، فأخَذَ يَدعُو قَومَهُ ويَأمُرُهُم بِتَعظِيمِ بَيتِ اللهِ وإحياءِ سُنَنِ آبائهِم التِّلاد. وبَدَا نُورُ النُّبُوَّةِ في جَبِينِ جَدِّهِ عَبدِ المُطَّلِبِ وابنِهِ عَبدِ اللهِ بنَضارَةٍ بَهِيَّة، ثُمَّ نُقِلَ إلى مَقَرِّهِ مِن آمِنَةَ ونالتْ بِهِ شَرَفًا واسْوِداد. واستُودِعَ في صَدَفَتِها لَيلَةَ الْجُمعَةِ في رَجَبٍ عَلَى صَحِيحِ الأقوالِ المَحْكِيَّة، وذَلِكَ بَعدَ أن أرادَ اللهُ تَعالى إجلاءَ ظُلْمَةِ الشِّرْكِ والفَساد. ونُودِيَ تَلكَ اللَّيلَةَ في السَّماءِ وصِفاحِها والأرضِ وبِقاعِها الفَتْقِيَّة، بحَمْلِها لهَذا النُّورِ الواسِطَةِ الآلاءِ والإيجاد. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعالى رِضوانَ أن يَفتَحَ الفِردَوسَ العَلِيَّة، وامتَلأتِ الحُورُ طَرَبًا وسَما العَرْشُ شَرَفًا وازداد. وَنَطَقتْ بحَمْلِهِ كُلُّ دابَّةٍ لقُرَيشٍ بفَصِيحِ الألسُنِ العَرَبِيَّة، ولَهَجَتْ بخَبَرِهِ الأحبارُ في كلِّ ناد. وما زالَتْ أمُّهُ تَلقَى البَشائرَ بُكرَةً وعَشِيَّة، وتَرَىٰ العَجائبَ مِن خِصْبِ عَيشِها وبَرَكَةٍ تَنمُو لَدَيها في الأزواد. وكُسِيتِ الأرضُ بَعدَ طُولِ جَدْبِها مِن النَّباتِ حُلَلًا بَهِيَّة، وزُخرِفَتِ السَّمَـٰواتُ وانهَلَّ غَيثُها وجاد. وتَباشَرَتْ بِهِ وُحُوشُ المَشارِقِ والمَغارِبِ ودَوابُّها البَرِيَّةُ والبَحرِيَّة، وبَشَّرَتِ الْجِنُّ بإظلالِ زَمَنِهِ وطابَ الثِّمارُ ونَما الخَيرُ وزاد. وجاءَها آدَمُ في الشَّهرِ الأوَّلِ وقالَ لَها فيالَكِ مِن مَزِيَّة، لقد حَمَلتِ بمَن تَقَدَّمَ عُلاهُ عَلَى الرُّسُلِ وقاد. فسَمِّيِهِ إذا وَضَعْتِيهِ مُحَمَّدًا كَما سُمِّيِ بِهِ في الأوَلِيَّة، فإنَّهُ مِمَّن أكرَمَهُ اللهُ تَعالى بالنُّبُوَّةِ واصطَفاهُ مِن العِباد. ودامَتْ ببَرَكَتِهِ الأفراحُ وابتَهَجَتْ بنُورِهِ الأكوانُ الكَونِيَّة، ولَمْ تَجِدْ لحَمْلِهِ ثِقَلًا ولا فَزَعًا في نَومٍ ولا يَقَظَةٍ إلى حِينِ المِيلاد. وما زالَ في كُلِّ شَهرٍ يَأتِيها نَبِيُّ ذُو رُتبَةٍ عَلِيَّة، ببِشارَةٍ أُخرَى لِتَمامِ القَصْدِ وتَيَقُّنِ المُراد. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصِحبِهِ ما تَغالى ذُو وَلَهٍ أهامَتْهُ أشواقٌ عِطرِيَّة، وما تَرجَمَ بِلِسانِ الحَقِيقَةِ مَحَدِّثٌ عَنِ السُّعاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ولَمَّا جاءَ شَهرُ وِلادَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ التي هي أعظَمُ هَدِيَّة، وإشراقُ نُورِ مُحَيَّاهُ الذي عَمَّ سائرَ البِلاد. حَضَرَ أمَّهُ لَيلَةَ مَوَلِدِهِ آسيةُ ونِسْوَةٌ مِن الحُضَيرَةِ القُدُسِيَّة، ومَريَمُ ابنَةُ عِمرانَ التي جَعَلَها اللهُ وابنَها آيةً للعِباد. فاشتَدَّ بِها الطَّلْقُ وما زالتْ تَتَراكَمُ عَلَيها الأعْرافُ[ ] العِطْرِيَّة، وتَرَىٰ العَجائبَ مَن شُرُوقِ الأنوارِ وإظْلالِ المَلائكَةِ بأجنِحَتِها تَثبِيتًا للفُؤاد. وكانت إذ ذَّاكَ حاضَرةً عِندها أُمُّ عُثمانَ الطَّاهِرَةُ المَرْضِيَّة، وأُمُّ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوْفٍ سَيِّدِ أهْلِ الشُّكرِ الرَّاكِعِ السَّجَّاد. وذلكَ لَيلَةَ الأُثنَينِ ثانِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الأوَّلِ عَلَى صَحِيحِ الأقوالِ المَرْوِيَّة، قَبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ في عامِ الفِيلِ الذي رَدَّهُ اللهُ عَنِ الحَرَمِ ولِجَيشِهِ أباد. فوَلَدَتهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَى أكمَلِ الصِّفاتِ بعِنايَةٍ ربَّانِيَّة، فبُشرَى لَنا ولَها وكُلِّ مَن يَهوَى ذَلِكَ النُّورَ الذي في الكَونِ ساد.
هذه قصيدة القِيامِ، وذا مَحِلُّه
يا هُو يا الله (تُذكَرُ بَعد كُلِّ شَطْرَةٍ مِن البَيتِ)
صَلَواتُ اللهِ تَغشَىٰ أحَمَدَا
جَوهَرٌ مِن جَوهَرٍ تَنَضَّدَ
أَمْ عُقُودُ دُرٍّ نُظِّمَتْ
أَمْ فَجرٌ سَاطِعٌ بالأُفِقِ
أَمْ قَبَسٌ مِن نَّارٍ مِن كُلِّ ما
أَمْ طَيفُ خَيالٍ سَرَىٰ
هَذا مِثالٌ قد دَّنا
فكُلٌ الذي مَضَىٰ مُقتَبِسٌ
مَولِدٌ في لَيلَةٍ غَرَّا
وطَابَتْ أيَّامُ حَيِّها وانْجَلَتْ
وطَالِعُ سَعدِهِم قد ظَهَر
وزَاجِرَاتُ المَسْخِ قد ذَهَبَتْ
والحِسِانُ قد تَّهَيَّأتْ
واصطَفَّتِ الأملاكُ إذ دَنا
ورُجُومُ الشَّياطِينِ قد عَلَتْ
ورَاعَ أهْلَ الشِّركِ ونُكِّسَتْ
وبحَيرَةُ سَاوَ غَارَ مَاؤهَا
ومِلَّةُ الإسلامِ غَدَتْ مَوْصُولَةً
بُشرَى لَنَا بخَيرِ مُولَدٍ
رسُولَ اللهِ أكْرِمْ مُنشِئًا
وعُمَّ الحَاضِرِينَ جَمِيعَهُم
وأشمِلِ الأحبَابَ جَمْعًا
وانظُرْ لابنِ الرُّكَينِ مِن
فعَلَيكَ صَلَّى اللهُ ما
وما فاحَ عَرْفُ البِشْرِ مِن
* مَن عَلا فَخْرًا وسُؤدَدَا
أَمْ كَوكَبٌ مِن كَوكَبٍ تَوَقَّدا
أَمْ بَدْرٌ في حَالِكٍ بَدا
أَمْ شَمْسٌ نَارَتْ فأضَاءتْ مَعْهَدا
أَمْ سُرُاِدقَاتُ نُورٍ صَعَدا
مِن الحِجَازِ لقَلْبٍ صَدا
وَيحَ قَلبِي مِن سِهَامٍ سَرْمَدا
مِن نُّورِ مَولِدٍ فَاقَ مُذْ بَدا
نَالَتْ بِهَا تلكَ البِقَاعُ سُؤدَدا
أحَزَانُهُم مِن كَرْبٍ غَدا
وازدَهَىٰ الكَونُ ونَارَ بأحمَدا
وسَارَ العُسرُ يُسْرًا رَغَدا
والنُّورُ ساطِعٌ وعَمَّ المَشْهَدا
وسَارَعَتْ نُجُومُ الْجَوِّ قَاصِدا
شُهُبًا لَمْ يَستَرِقُوا سَمْعًا أَبَدا
أصنَامُهُم فسَاءتْ مَعْبَدا
وأنفَاسُ نَارِ الفُرْسِ خَامِدا
بخَيرِ أَبٍ فَاقَ مَوْلِدا
أتى بخَيرِ دِينٍ أسْعَدا
والذي يَتلُو ومَنْ قد شَهِدا
بالرِّضا كي يَلقوا المَقْصَدا
وحُلَّهُم مَقامَ الصِدقِ أَبَدا
ذُنُوبٍ طَمَتْ وعِدا
ناحَ طَيرٌ بالأرَاكِ وغَرَّدا
رُبا الحِجازِ والسُّوحِ ليَرْفُدا
ووُلِدَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَظِيفًا مَختُونًا طَيِّبًا دَهِينًا، واضِعًا يَدَيهِ عَلَى الأرضِ رافِعًا رَأسَهُ إلى السَّماءِ العَلِيَّة، مَقطُوعَ السُّرِّ مَكحُوَلَةً عَيناهُ بِلا مِرْواد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما ظَهَرَتْ أعْلامُ البَشائِرِ في أُمَّتِهِ الخَيرِيَّة، صَلاةً تُحِيطُ بالحَدِّ وتَستَغرِقُ كُلَّ الأعْداد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وظَهَرَ عِندَ بُرُوزِهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَوارِقُ وغَرائبُ عَجِيبِيَّة، كالإرتِجاجِ الواقِعِ في إيوانِ كِسرَىٰ المُشاد. وسَقَطَ أرْبَعٌ وعَشَرُ مِن شُرُفاتِهِ وغاضتْ بُحَيرَةُ ساوَةَ المَلِيَّة، وخَمَدَتْ نارُ فارِسٍ وكانُوا يُوقِدُونَها ألفَ عامٍ وما بَرِحُوا لَها عُبَّاد. وأصبَحَتِ الأصنامُ مُنَكَّسَةً رُؤوسُها إلى الأرضِ الصَّلْبِيَّة، إشعارًا بِبُطلانِ عَبادَتِها وقَطْعِ رَجاءِ العُبَّاد. وفاضَ وادِ سَماوَةَ المَعرُوفُ قِبَلَ النَّاحِيةِ الشَّامِيَّةِ، وعَمَّتْ بَرَكَتُهُ العُظمَىٰ في العالِمينَ وأحيَتْ سائرَ البِلاد. فأخَذَهُ عَبدُ المُطَّلِبِ وأَدخَلَهُ البَيتَ الحَرامَ وقامَ يَدعُو اللهَ تَعالى مَولاهُ ووَلِيَّه، ويُشكُرُهُ عَلَى ما مَنَّ بهِ عَلَيْهِ وجاد. وخَرَجَ مَعَهُ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نُورٌ أضاءتْ مِنهُ قُصُورُ الشَّامِ والمَدائنُ الرُّومِيَّة، وتَوالَى مِن البَشائرِ ما لا يُمكِنُ إحْصاؤهُ ولا تَسَعُهُ الطُّرُوسُ[ ] المُحَبَّرَةُ بالمِداد. وتَدَلَّتْ إليهِ النُّجُومُ وزُخرِفَتِ السَّمَـٰوَاتُ العَلِيَّة، ورُجِمَتِ الشَّياطِينُ المُستَرِقِينَ السَّمعَ بالمِرصاد. ثُمَّ أخَذَتهُ المَلائكَةُ وطافُوا بهِ جَميعَ الأرضِ والعَوالِمَ العُلوِيَّة، وفَرِحَتِ الخَلائقُ وسَمَتْ تلكَ اللَّيلَةُ عَلَى سائرِ الأيَّامِ بالمِيلاد. وتَشَرَّفَتْ بوُجُودِهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الدِّيارُ الحَرَمِيَّة، وكُلُّ حَيِّ في بَرٍّ وبَحْرٍ وجَماد. ونَمَتِ الإرهاصاتُ ولاحَتْ أعلامُ الحَقِّ وأنوارُهُ العُمُومِيَّة، وأخَذَ دِينُ الشِّركِ في الاضمِحلالِ والنَّفاد. وقد تُوفِّيَ أبُوهُ بَعدَ حَمْلِهِ بشَهرَينِ عَلَى أشْهَرِ الأقوالِ المَرْوِيَّة، وغيرُ هذا قد رَدَّهُ أهْلُ الاجتِهاد. وقِيلَ خَتَنَهُ جَدُّهُ عَبدُ المُطَّلِبِ بَعدَ سَبْعِ لَيالٍ سَوِيَّة، وأَوْلَمَ وسَمَّاهُ مُحَمَّدًا رَجاءَ أنْ يَكثُرَ حَمْدُهُ بَينَ العِباد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما ظَهَرَتْ آياتٌ وأَسْرارٌ حِكَمِيَّة، وما صابَ صَوبُ الغَمامِ في كُلِّ ناحِيَّةٍ وجاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ثُمَّ نَشَأَ في حِجْرِ أُمِّهِ وأرضَعَتهُ مُدَةً مِن الزَّمانِ قَلِيلِيَّة، وتَلَتها ثُويبَةُ التي أعتَقَها أبُو لَهَبٍ ببِشارَةِ المِيلاد. فأرضَعَتهُ مَع ابنِها مَسرُوحٍ ولَمْ تَزلْ بِهِ حَفِيَّة، وأرضَعَتْ قَبلَهُ حَمزَةَ الذي حُمِدَ في نُصرَةِ الدِينِ وساد. ثُمَّ جاءَتهُ الفَتاةُ حَلِيمَةُ السَّعدِيَّة، فقَبِلَ ثَديَها وقامَتْ بكَفالَتِهِ بعَزمٍ واجتِهاد. وقد رَأتْ بهِ مِن البَرَكَةِ ما لَمْ يَكُنْ لَدَيها في السَّابِقِيَّة، كَسِمَنِ عَجافِها ودُرُورِ غَنَمِها الأحراد. وأخَصَبَ عَيشُها بَعدَ المَحْلِ قَبلَ العَشِيَّة، وأشرَقَ كَوكَبُ سَعدِها في سَماءِ الصُّعُودِ وَقَّاد. ولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُرعَةُ شَبابٍ لَمْ تَكُنْ في غَيرِهِ مَحكِيَّة، قامَ في ثَلاثٍ ومَشَى في خَمْسٍ وفي تِسْعٍ مِن الشُّهُورِ بفَصِيحِ النُّطقِ أفاد. وكانَ يَمُرُّ مَع أخِيهِ بالصِّبيانِ في مَلاعِبِهِم اللَّهوِيَّة، فيَقُولُ لهُ امْضِ لَمْ نُخْلَقْ لِهذا الذي عاقِبَتُهُ فَساد. ونَشَأَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَى أكمَلِ الحالاتِ المَرْضِيَّة، لَمْ يُرَ قَذَرٌ بِعَينَيهِ ولا بفَمِهِ كَسائرِ الأولاد. ويُصبِحُ كَحِيلًا صَقِيلًا لَمْ تَشْكُ في صِباهُ جُوعًا ولا عَطَشًا نَفسُهُ الأبِيَّة، وذلكَ لِحُسنِ نَشأتِهِ وعَفافِةِ نَفسِهِ وقَناعَتِهِ عن الأزْواد. وكانَ يَرعَىٰ الغَنَمَ مع أخيِهِ بالأودِيَةِ الأبْطَحِيَّة، فيُظَلِّلُهُ الغَمامُ وتَسرَحُ أغنامُهُم في خِصْبٍ وتَؤوبُ شِباعًا جِياد. فَجاءَهُ ذاتَ يَومٍ مَلَكانِ وبِيَدِ أحَدِهِمْ طِسْتٌ مِن الألوانِ الذَّهَبِيَّة، مَملُوءٌ ثَلجًا فأَخذاهُ مِن بَينِ الصِّبيانِ بلُطْفٍ وَوِداد. فضَجَعَاهُ برِفْقٍ وشَقَّا صَدْرَهُ مِن غَيرِ أذِيَّة، وأخرَجا مِنهُ عَلَقَةً ثُمَّ غَسَلاهُ حتى أنقَيا الفُؤاد. ومَلآهُ حِكمَةً ومَعانٍ إيمانِيَّة، فخاطاهُ وخَتَماهُ بخاتَمِ النُّبُوَّةِ فصارَ ذا سَمْعٍ وبَصَرٍ حادّ. وأنهَضاهُ ووَزَناهُ فرَجَّحَ بألفٍ مِن أُمَّتِهِ الخَيرِيَّة، فقالَ أحدُهُم لَو وَزَنتَهُ بالْجَمِيعِ لَرَجَحَ فَضلُهُ وزاد. ثُمَّ ضَمَّاهُ إلى صَدْرِهِما وقَبَّلا رَأسَهُ وما بَينَ عَينَيهِ الزَّكِيَّة، وقالا لَنْ تَراعَ فوَحَقِّكَ عَلَى اللهِ لَقَرَّتْ عَيناكَ لَو تَدرِي ما بِكَ يُراد. فرَدَّتهُ حَلِيمَةُ إلى أُمَّهِ وسافَرَتْ بهِ إلى المَدِينَةِ النَّبَوِيَّة، ثُمَّ عادَتْ فأدرَكَتْها بالأبْواءِ الوَفاةُ ودُفِنَتْ بتلكَ الواد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أُولاتِ الأُمُورِ الخَيرِيَّة، الذين باعُوا نُفُوسَهُم للهِ رَبِّ العِباد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
فحَمَلَتهُ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حاضِنَتُهُ أُمُّ أيمَنَ الحَبَشِيَّة، التي زَوَّجَها بَعدُ مِن زَيدٍ بنِ حارِثَةَ مَولاهُ ذو الأحْفاد. وأدخَلَتْهُ عَلَى جَدِّهِ عَبدِ المُطَّلِبِ فضَمَّهُ إليهِ وأثنَى عَلَيْهِ بالفَوْزِيَّة، وقالَ إنَّ لابنِي هذا شَأنٌ عَظَيمٌ فطُوبَى لِمَن يَصْفِي لَهُ الوِداد. ثُمَّ كَفَلَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ شَقِيقُ أبِيهِ عَبدِ اللهِ بشَفَقِيَّة، وذلكَ بَعدَ أن نَّشِبَتْ بجَدِّهِ أظفارُ المَنِيَّةِ وَباد. وقد شاهَدَ مِن بَرَكَتِهِ ما رَوَوْهُ عُلَماءُ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّة، في أكلٍ وشُرْبٍ وقد حَلَّ السُرُورُ بدارِهِ وانجابَتِ الأنْكاد. وكانَ إذا حَضَرَ الأكلَ مَعَ أولادِهِ شَبِعَتِ الْجَمْعِيَّة، وإذا غابَ خَرَجتْ تلكَ البَرَكَةُ وانمَحَقَ الزَّاد. وإذا انفَرَدُوا شَرِبَ أحَدُهُم قَعْبًا مِن الألبانِ السُّوقِيَّة، وإنْ كانَ مَعَهُم شَرِبُوا الْجَمَيعُ مِن قَعْبٍ واحِدٍ وعَنهُم زاد. فَرَقَّ لَهُ أبُو طالِبٍ حَتى لا يَستَطِيعُ فِراقَهُ دُونَ الذُّرِيَّة، وقَدَّمَهُ عَلَى سائرِ البَنِينَ وأحسَنَ إليهِ وأجاد. وبَعدَ تَمامِ اثنَيْ عَشَرَ سَنَةً سافَرَ بهِ إلى النَّاحِيَةِ الشَّامِيَة، فَعَرَفَهُ الرَّاهِبُ بَحِيرا لِما حَواهُ مِنْ وَصْفِ النُّبُوَّةِ بانفِراد. وأمَرَهُ برَدِّهِ إلى مَكَّةَ تَخَوُّفًا عَلَيْهِ مِن أهْلِ دِينِ اليَهُودِيَّة، خَشيَةَ أنْ يتَواطَؤا عَلَى إهلاكِهِ أحْبارُ تلكَ البِلاد. ثُمَّ أخَذَ بيَدِهِ وقالَ هذا سَيِّدُ المُرسَلِينَ وسيُبعَثُ في البَرِيَّة، وهذا خاتَمُ النُّبُوَّةِ بظَهرِهِ أقوَى إشْهاد. وسَجَدَ لهُ الشَّجَرُ والحَجَرُ فشَهِدتُّ ذَلِكَ عَلامَةً جَلِيَّة، وإنَّا نَجِدُ نَعْتَهُ في كِتابِنا القَدِيمِ ذي الرَّشاد. فحافِظْ عَلَيْهِ بعَزمٍ وهِمَّةٍ وحَمِيَّة، ثُمَّ قَفَلَ بهِ أبُو طالِبٍ ولَمْ يُجاوِزِ الْبُصْرَى إلى مَكَّةَ عاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما حُدِيتْ مَطايا السَّيرِ بهِمَمٍ عَلِيَّة، وما طافَ مُحرِمٌ بالبَيتِ ذُو قِرانٍ أو إفراد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وبَعدَ تَمامِ خَمْسٍ وعِشرِينَ سَنَةً أخَذَ يَتجُرُ في مالِ خَدِيجَةَ الفَتِيَّة، وسافَرَ الشَّامَ ومَعَهُ غُلامُها مَيسَرَةَ يَخدُمُهُ بعَزمٍ واجتِهاد. فلَمَّا وصَلَ إلى بُصْرَى نَزَلَ تَحتَ شَجَرَةٍ لدَى صَومَعَةِ نَسْطُورٍ المَحكِيَّة، فَمالَ إليهِ ظِلُّها الوارِفُ وَقاد. فَعَرَفَهُ ذَلِكَ الرَّاهِبُ وقالَ ما نَزَلَ تَحتَ هذه الشَجَرَةِ إلا نَبِيُّ الأُمَّةِ الأُمِّيَّة، وهُو الذي بَشَّرَ بهِ عِيسىٰ فقَبَّلَ رَأسَهُ ورِجْلَيهِ وأسلَمَ وانْقاد. ثُمَّ دَنا مِن مَيسَرَةَ وقالَ أفِي عَينَيهِ شَكْلَةٌ خَلْقِيَّة؟ فأجابَهُ بنَعَمْ، وتَحَقَّقَ لدَيهِ ما رَآهُ واستَفاد. فقَدَمَ عِيرَهُم إلى بَلدَتِهِ وكانَتَ تُظَلِّلُهُ المَلائكَةُ الرَّوحانِيَّة، فرَأَته ُخَدِيجَةُ وأخبَرَها مَيسَرَةُ بأنَّهُ رَأى ذَلِكَ في سَفَرِهِ كُلِّهِ إلى أنْ عاد. وضاعَفَ اللهُ تَعالى في تلكَ التِّجارَةِ ونَمَتْ أرباحُها الفَرعِيَّة، وتاقَتْ مِن فَورِها لتِجارَةٍ لَمْ ينَلْها كَساد. فخَطَبَتهُ لنَفسِها ودَعَتهُ إلى الزَّوجِيَّة، وأخبَرَ أعمامَه بما دَعتَهُ إليهِ فمالَتْ لَهُ القُلُوبُ والأجساد. وأقَرُّوهُ عَليها لِما بِها مِن دِينٍ ومالٍ وصَداقَةٍ وَفِيَّة، وجَمالٍ وحَسَبٍ ونَسَبٍ تَعلُو بهِ الأجداد. فخَطَبَ لَهُ أبُو طالِبٍ وأتَى بكَلِماتٍ سَجعِيَّة، وقالَ هُوَ واللهِ لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ بَعدُ يَهواهُ ذُو الإسعاد. فزَوَّجَها مِنهُ أبُوها وقِيلَ عَمُّها وقِيلَ أخُوها، أقوالٌ للعُلَماءِ مَروِيَّة، وأَولَدَها صَلَّىٰ الله عَلَيْهِ وسَلَّم سِتَّةً مِن الأولاد. وسابِعُ أبنائهِ إبراهِيمُ الذي لُقِّبَ بالخَلِيلِ فمِنْ مارِيَةَ القِبطِيَّة، واسْتُفْرِطُوا الذُكُورُ في صِغَرِهِم ولَمْ يَشِبُّوا الأسياد. وقَدِمَتْ إليهِ في أيَّامِ خَدِيجَةَ مُرضِعَتُهُ حَلِيمَةُ السَّعدِيَّة، فقامَ إليها مُسرِعًا وقابَلَها بالبِشرِ وحَباها مِن جُودِهِ أعلى إرفاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ نُجُومِ البَرِيَّة، عَدَدَ كُلِّ مَعلُومٍ للهِ بإعدامٍ وإيجاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ولَمَّا بَلَغَ خَمْسًا وثَلاثِينَ سَنَةً أخَذَتْ قُرَيشٌ في بِناءِ الكَعْبَةِ لانصِداعِها بالسُّيُولِ الأبْطَحِيَّة، فقَدِمُوا ومَعَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَقَلُوا لَها الحِجارَةَ مِن أجْياد. وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ يَومٍ نُودِيَ فيهِ وخاطَبْتُهُ المَلائكَةُ الرَّوحانِيَّة، عَلامَةً لظُهُورِ نُبُوَّتِه وأخذِ دَرَجَتِهِ في التَّسامِي والإصْعاد. فَلَمَّا فَرَغُوا مِن هَدمِها وعَلَتْ في البِناءِ هِمَّتُهُم القَوِيَّة، تَنازَعُوا في رَفعِ الحَجَرِ الأسوَدِ فكُلٌ مِن القَومِ رَجا رَفعَهُ وأراد. ثم اختَلَفُوا وتَعاظَمَتْ أقوالُهُم فتَراضَوا بتَحكِيمِ أوَّلِ داخِلٍ مِن بابِ السَّدَنَةِ الشَّيبِيَّة، فَكانَ النَّبِيُّ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلَ داخِلٍ فقالُوا هذا الذي نَرْضاهُ ولِحُكمِهِ نَنْقاد. فحَكَمَ بَينَهُم ووَضَعَ الحَجَرَ في ثَوبٍ وأمَرَ القَبائلَ أهْلَ الْجَمعِيَّة، أنْ يَرفَعُوهُ جَمِيعًا إلى مَكانِهِ المُعْتاد. ثُمَّ باشَرَ وَضْعَهُ بيَدِهِ الطَّاهِرَةِ النَّدِيَّة، في مَقَرِّهِ مِن الرُّكنِ الذي يُدعَىٰ الآنَ بالأسهُمِ وأشاد. فهذا دَلالَةٌ عَلَى عُلُوِّ مَرتَبَتِهِ فَوقَ سائرِ البَرِيَّة، وإشعارًا لِمَن تَفَطَّنَ في عاقِبَتِهِ بأنَّهُم رَضَوهُ سَيِّدًا وسَلَّمُوا لَهُ القِياد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما انهَمَرَ وادِقٌ بالرَّحمَةِ العَمِيمِيَّة، وما تَعاقَبَ المَلَوانُ[ ] وصَحَّتِ الأرْواحُ والأجْساد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وابتُدِئ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ سِتَةَ أشهُرٍ بالرُّؤيَةِ الصَّادِقَةِ الْجَلِيَّة، فكانَ لا يَرَىٰ رُؤيا إلا جاءَتْ كفَلَقِ صُبحٍ مُعْتاد. ثُمَّ حُبِّبَ إليهِ الخَلاءُ فصارَ يَتَحَنَّثُ بِغارِ حِراءَ الليالي العَدَدِيَّة، وبَعدَ تَمامِ الأربَعِينَ انهَلَّ سَحابُ الفَضلِ وَجاد. فجاءَهُ المَلَكُ بصَرِيحِ الحَقِّ مِن الحَضْرَةِ الإلـٰهِيَّة، وقالَ لَهُ إقْرَأ، فقالَ ما أنا بِقارِئ، لِيَتَحَقَّقَ لَهُ المُراد. فَغَطَّهُ حتى بَلَغَ مِنهُ الْجَهدَ ثُمَّ أرسَلَهُ وفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا بالسَّوِيَّة، ثُمَّ قالَ لَهُ ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢﴾ فوَعاها مِنهُ الفُؤاد. وتَلَىٰ عَلَيْهِ حتى بَلَغَ ﴿عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ٥﴾ في السَّابِقِيَّة، فَرَجَعَ بِها صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَرجُفُ جَأشُهُ ذُو ارتِعاد. وأتَى خَدِيجَةَ يَقُولُ زَمِّلُونِي.. زَمِّلُونِي.. بشَفَقِيَّة، وذلكَ لِما فاجَأهُ مِن الأمرِ المُخالِفِ لِلمُعْتاد. فزَمَّلُوهُ حتى ذَهَبَ عَنهُ الرَّوْعُ بالكُلِّيَّة، وأخَبَرَها الخَبَرَ وأتَتْ بِهِ وَرَقَةَ الذي خَطَّ مِن الإنجِيلِ وأجاد. فقالَتْ لَهُ اسمَعْ مِن ابنِ أخِيكَ، فقالَ ماذا تَرَىٰ يا ابنَ أُخَيَّه؟ فبَثَّ لَهُ ما حَكاهُ لخَدِيجَةَ وأعاد. فقالَ لَهُ هذا النَّامُوسُ الذي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسىٰ ذُو الآياتِ الغالِبِيَّة، يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعًا، لَيْتَنِي أكُونُ حَيًّا لأنصُرَكَ إذ يُخرِجُكَ الأضْداد. وفَتَرَ الوَحِيُ ليَشتاقَ إليهِ لِما رَأىٰ فيهِ مِن الكَرامَةِ والمَزِيَّة، ثَلاثَ سِنِينَ وقِيلَ ثَلاثِينَ شَهرًا عَلَى اختِلافِ الرِّواياتِ والإسْناد. ثُمَّ جاءَهُ بـ(يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ) ومِن ثَمَّ تَواتَرَ الوَحيُ ونَزَلَتْ عَلَيْهِ الآياتُ الحِكَمِيَّة، وصارَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدعُو الخَلْقَ إلى اللهِ باجتِهاد. ويُنذِرُهُم ويَعرِضُ عليهِم الإسلامَ وأرَكانَهُ القَوِيَّة، وأعْلَمَهُم بأنَّهُ رَسُولُ اللهِ إلى سائرِ العِباد. فلَبَّتْهُ كُلُّ رُوحٍ خَصَّها اللهُ تَعالى بالسَّعادَةِ الأبَدِيَّة، ونَطَقَتْ ألْسِنَةُ المُوَحِّدِينَ وعَمِلَتْ جَوارِحُهُم بذلكَ وأذْعَنَ الفُؤاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما قامَتْ أركانُ الإسلامِ وعَلَتْ مَنائرُهُ السَّمِيَّة، عَلَى سائرِ الأديانِ ونالَ باغِضُهُ الرَّدَى والارتِعاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
فأوَّلُ مَن آمَنَ بِهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن الرِّجالِ أبُو بَكرٍ صاحِبُ الغارِ والصِّدِيقِيَّة، وكانَ يَأتِيهِ جِبرِيلُ مِن اللهِ تَعالى ذو الإيجاد. بالتَّحِيَّةِ والبِشارَةِ الصَّادِقَةِ الأُخَرَوِيَّة، بالتَّنَعُّمِ والتَّرَقِّي في أعلى المِهاد. ومِن النِّساءِ خَدِيجَةُ التي خَصَّها اللهُ تَعالى بالخَيرِ والفَوزِيَّة، وثَبَّتَ بها قَلبَهُ حِينَ الفَرَقِ[ ] وزادَهُ اشتِداد. ومِن المَوالِي زَيدٌ بنُ حارِثَةَ المَوصُوفُ مِن القَبِيلَةِ الكَلْبِيَّة، ومِن الأرِقَّاءِ بِلالٌ الذي عُذِّبَ في اللهِ ولَمْ يُذاد. ثُمَّ أسلَمَ عُثمانُ ذُو النُّورَينِ المَمدُوحُ في الآياتِ القُرءانِيَّة، وسَعْدٌ وسَعِيدٌ وقد عَدَّهُما جَمْعٌ مِن الأسْياد. وطَلحَةُ وعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوْفٍ وابنُ العَمَّةِ صَفِيَّة، وغَيرُهُم مِمَّن خَصَّهُ اللهُ تَعالى ونَظَمَهُ مع تِلكَ السُّعاد. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصحابُهُ عِبادَتُهُم مَخفِيَّة، حتى أُنزِلَ عَلَيْهِ ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ﴾ فجَهَرَ بالدُّعاءِ وازداد. ودَخَلَ المَسجِدَ وعابَ الآلِهَةَ وأمَرَ برَفضِ عِبادَتِهِم بالكُلِّيَّة، فتَجَرَّؤا عَلَى مُبارَزَتِهِ بالعَداوَةِ أهْلُ الضَّلالَةِ والفَساد. وتَظاهَرُوا عَلَى إيذائِهِ فتَحامَى عَلَيْهِ أبُو طالِبٍ ذُو المآثرِ السَّنِيَّة، واشتَدَّ البَلاءُ عَلَى المُسلِمِينَ في كُلِّ ناد. فَهاجَرُوا في سَنَةِ خَمْسٍ إلى النَّاحِيَةِ النَّجاشِيَّة، وما زالَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثابِتَ الْجَنانِ داعِيًا إلى اللهِ بجِدِّ واجتِهاد. حتى خَرَجَ إلى الطَّائفِ ودَعا ثَقِيفًا إلى الإسلامِ فأبَوا أنْ يُجِيبُوهُ لتِلكَ الهَدِيَّة، وأعْرَضُوا واستَنفَرُوا وسَبُّوهُ بألْسِنَةٍ حِداد. وتَجاهَلَ عَلَيْهِ السُّفَهاءُ والعَبِيدُ التي مِنهُم مَقْرِيَّة، فرَمَوهُ بالحِجارَةِ حتى خُضِبَتْ بالدِّماءِ نَعْلاهُ الْجِياد. ولَمْ يَبْرَحُوا حتى أوقَعُوا بهِ كُلَّ أذِيَّة، فرَجَعَ إلى مَكَّةَ حَزِينًا واستَأذَنَهُ مَلَكُ الْجِبالِ في إهلاكِ ذَوِي العِناد. فقالَ إنِّي أرجُو أنْ يُخرِجَ اللهُ مِن أصلابِ تِلكَ العِصابَةِ الكُفرِيَّة، مَنْ يُؤمِنُ بِهِ ويَمتَثِلُ الأمرَ ويَنقاد. وفُرِضَ عَلَيْهِ قِيامُ بَعْضِ السَّاعاتِ اللَّيلِيَّة، ثُمَّ نُسِخَ بقَولِهِ تَعالى ﴿فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ﴾ فَخَفَّ الأمرُ للأعذارِ والْجِهاد. وفُرِضَ عَلَيْهِ رَكعَتانِ بالغَداةِ ورَكعَتانِ بالعَشِيَّة، ونُسِخَ ذَلِكَ بِإيجابِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ التي صارَتْ للدِّينِ عِماد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما تُلِيتِ الآياتُ القُرءانِيَّة، وما لانَتْ لذِكرِ الإلـٰهِ القُلُوبُ والأجساد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ولَمَّا واجَهَهُ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَزِيدُ العِنايَةِ الإلـٰهِيَّة، أُسرِيَ برُوحِهِ وجَسَدِهِ يَقَظَةً كَما بِهِ الْجُمهُورُ أفاد. فجاءَهُ جِبرِيلُ بالبُراقِ مُهَيَّأً لِيَرْكَبَهُ فنَفَرَ بصُعُوبَةٍ بَهِيمِيَّة، فقالَ لَهُ جِبرِيلُ تَأَدَّبْ، ما رَكِبَكَ أحَدٌ أكرَمُ عَلَى اللهِ مِن مُحَمَّدٍ الهاد. فذَلَّ ورَكِبَ عَلَيْهِ مِن المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأقْصَىٰ ورِحابِهِ الحَرَمِيَّة، ثُمَّ نَزَلَ ورَبَطَهُ بِبابِ المَسجِدِ ودَخَلَ وصَلَّىٰ بالنَّبِيِّينَ الأسياد. ومَسَّهُ ظَمَأٌ فأُوتِيَ بإناءٍ مِن لَبَنٍ وإناءٍ مِن خَمْرٍ فاختارَ الشَّرْبَةَ اللَّبَنِيَّة، فناداهُ جِبرِيلُ أصَبْتَ الفِطْرَةَ والسَّداد. ثُمَّ دُلِّيَ المِعراجُ فَعَرَجَ بِهِ إلى السَّمَـٰوَاتِ العَلِيَّة، وزُخْرِفَتْ لِقُدُومِهِ وفُتِّحَتْ أبوابُها واصطَفَّتْ مَلائكَتُها العُبَّاد. فلَقِيَ في السَّماءِ الدُّنيا آدَمَ الذي جَعَلَهُ اللهُ أبًا للخَلِيقَةِ البَشَرِيَّة، فقَرَّتْ بِهِ عَيناهُ وقالَ مَرحَبًا بِمَنْ هُو ابنٌ ونَبِيٌّ قد ساد. وفي الثَّانِيَةِ لَقِيَ يَحيَىٰ وعِيسَىٰ المُؤيَّدَ بالرُّوحِ القُدُسِيَّة، وفي الثَّالِثَةِ لَقِيَ يُوسُفَ الصِّدِّيقَ الذي افْتَتَنَتْ بِهِ زُلَيْخُ ولَمْ تَظْفَرْ بالمُراد. وفي الرَّابِعَةِ لَقِيَ إدْرِيسَ الذي رَفَعَهُ اللهُ مَكانًا عَلِيًّا وأكرَمَهُ بالصِّدِّيقِيَّة، وفي الخامِسَةِ لَقِيَ هارُونَ المُحَبَّبَ في البِلاد. وفي السَّادِسَةِ لَقِيَ مُوسَىٰ الذي رَدَّهُ لِتَخفِيفِ الصَّلاةِ ورَسُولَ الأُمَّةِ الإسرائيليَّة، وفي السَّابِعَةِ لَقِيَ إبراهِيمَ خَلِيلَ اللهِ وصَفْوَتَهُ مِن العِباد. ولَمْ يَزَلْ يَرقَىٰ إلى سِدْرَةِ المُنتَهَىٰ إلى الحَضْرَةِ العَرْشِيَّة، وعَلا الحُجُبَ ودَنا كَقابِ قَوسَينِ وخاطَبَ مَولاهُ الْجَوَّاد. ورآهُ بعَيْنِ الرَّأسِ مِن غَيرِ جِهَةٍ ولا كَيفِيَّة، كَما قالَ ابنُ عَبَّاسٍ أحَدُ الرَّاسِخِينَ الأفْراد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما ذُكِرَتْ شَمائِلُهُ المَحمُودِيَّة، ودامَ السُّرُورُ بِنَشْرِها وعَمَّ الخَيرُ كُلَّ واد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وفُرِضَ عَلَيْهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَمْسِينَ صَلاةً يَومِيَّة، ثُمَّ انهَلَّ سَحابُ الفَضْلِ بالتَّخفِيفِ وَجاد. فرُدَّتْ إلى خَمْسٍ، ثَلاثٌ بالغَداةِ واثنانِ بالعَشِيَّة، ولَها أجْرُ الخَمْسِينَ كَما شاءَهُ في الأزَلِ وأراد. وكُشِفَتْ لَهُ عَجائبُ المَلَكُوتِ وظَهَرَتْ لَدَيهِ غَرائبُهُ الغَيبِيَّة، وباشَرَهُ كُلُّ ذي مَكانَةٍ مِن المَلائكَةِ بالتَّرحِيبِ، وشَرِبَ مِن حَوضِهِ المُعَدِّ لأُمَّتِهِ في المِيعاد. ودَخَلَ البَيتَ المَعْمُورَ الذي يَدخُلُهُ كُلَّ يَومٍ سَبْعُونَ ألفَ مَلَكٍ عَدَدِيَّة، ثُمَّ لا يَعُودُونَهُ أهْلُ تِلكَ النَّوبَةِ إلى يَومِ التَّناد. وكانَ ذَلِكَ في لَيلَةِ سَبْعٍ وعِشرِينَ مِن رَجَبٍ قَبْلَ الهِجرَةِ اليَثرِبِيَّة، فعادَ في لَيلَتِهِ وقَصَّ الأمرَ فكَذَّبَهُ أهْلُ الإلحاد. وسالُوهُ عن بَيتِ المَقْدِسِ وعن حالِ عِيرِهِم فَنَعَتَ لَهُم البَيتَ بِصِفَتِهِ المَرْئيَّة، وأخبَرَهُم بِقُدُومِ العِيرِ وما حَصَلَ في سَيْرِهِم فَما زالُوا في شَكِّ وتِرْداد. وصَدَّقَهُ الصِّدِّيقُ لِسابِقِ سَعادَتِهِ الأزَلِيَّة، فَيا عَجَبًا لِمَنْ يَسْمَعُ بِهَذا ويُكَذِّبُ فَلَيسَ أقوَىٰ مِنهُ فَساد. ثُمَّ دَعا القَبائلَ في المَواسِمِ فآمَنَ بِهِ جَماعَةٌ مِن الأنصارِ أهْلِ الطَّوِيَّة، وأمَّرَ عَليهِم اثنَي عَشَرَ نَقِيبًا ذَوِي هِمَّةٍ وَسَداد. ومازالَ أهْلُ مَكَّةَ يُجادِلُونَهُ غَيْرَةً لأصنامِهِم المَنفِيَّة، ويَأتُونَهُ بِكُلِّ مَثَلٍ يَزِيدُهُم عن الحَقِّ إبعاد. فأعجَزَهُم بالبَراهِينِ القاطَعَةِ الْجَلِيَّة، كانشِقاقِ القَمَرِ وسُجُودِ الأشْجارِ ونُطْقِ الْجَماد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ الذين بايَعُوهُ بَيْعَةً حَقِيَّة، وهاجَرُوا الكُفْرَ ومَنْ والاهُ بالرِّماحِ الشَّاجِرَةِ والبِيْضِ الحِداد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ولَمَّا أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَأذَنَ لِنَبِيِّهِ في الهِجرَةِ مِن مَكَّةَ إلى الدِّيارِ اليَثرِبِيَّة، وظَهَرَ دِينُ الحَقِّ رَغْمَ أنفِ المُشرِكِينَ وصارَ في امتِداد. رَمَتْهُ قُرَيشٌ بالسِّحرِ والكَهانَةِ والأقوالِ الشِّعرِيَّة، والاختِلاقِ وكَذَّبُوا الآياتِ وقالُوا إنْ هَذا إلا شَيءٌ يُراد. وتَشاوَرُوا عَلَيْهِ بِدارِ النَّدوَةِ فاجتَمَعَ رَأيُهُم بقَتلِهِ حَمِيَّةً جاهِلِيَّة، فَأتاهُ جِبرِيلُ وأخبَرَهُ بمَكرِهِم وما أضمَرُوهُ مِن الأحقاد. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ لَّا يَبِيتَ في مَنزِلِهِ تِلكَ العَشِيَّة، وطَفِقُوا يَحتالُونَ بِهِ وقَعَدُوا لهُ بالمِرصاد. فخَرَجَ عَليهِم ونَثَرَ التُّرابَ عَلَى رُؤوسِهِم الخَطِيَّة، وأمَّ غارَ ثَورٍ ومَعَهُ الصِّدِّيقُ ذُو الإرشاد. فلَمَّا صَعِدُوا الْجَبَلَ أنبَتَ اللهُ تَعالى أمَّ غَيْلانَ التي بالرَّاءَةِ مَسْمِيَّة، عَلَى فَمِ الغارِ إغاظَةً لِهَؤلاءِ الحُسَّاد. وحامَتْ لَدَيهِم حَمائمُ وَحشِيَّة، ونَسَجَ العَنكَبُوتُ سِترًا يُخالُ قِدَمُهُ عَلَى المِيلاد. فجَدُّوا في طَلَبِهِم حتى انتَهَوْا إلى الغارِ وآثارُهُم مَرئِيَّة، وأيقَنُوا أنْ لَيسَ بِهِ أحَدٌ لِما رأَوْهُ وأعمَىٰ اللهُ أبصارَهُمُ الحِداد. وأرسَلَ عَلَى نَبِيِّهِ والصِّدِّيقِ ثَلاثَةً مِن المَلائكَةِ المَعصُومِيَّة، يَحُفُّونَهُم بأجنِحَتِهِم وأنزَلَ عَليهِمُ السَّكِينَةَ والاتِّئَاد. ولُدِغَ أبُو بَكرٍ في ثَقْبِ الغارِ حِينَ سَدَّهُ بِرِجْلِهِ عن أذِيَّة، فانتَبَهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَسَّ عَلَيْهِ فَشُفِيَ مَكانُهُ ولُمْ يَزداد. وقالَ لَهُ صاحِبِي لا تَحزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا فَلَمْ نَخَفْ مِن أهْلِ المِلَّةِ الشِركِيَّة، فانقَلَبُوا خاسِئينَ عَنهُم وقد عَلا وُجُوهَهَم السَّواد. وكانَ يَرعَى حَولَهُم عامِرُ بنُ فُهَيرَةَ بأغنامِه ويُرِيحُها عَليهِم كُلَّ عَشِيَّة، وقِيلَ تَختَلِفُ إليهِم سَيِّدَتُنا أسماءُ ذاتُ النِّطاقِ بِما عَناهُم مِن الأزواد. ويأتِيهِم عَبدُ اللهِ بنُ أبِي بَكرٍ مُستَخفِيًا عن أعيُنِ الفِئةِ الكُفرِيَّة، فيَدلُجُ بِلَيلٍ ويُصبِحُ بمَكَّةَ ويأتِيهِم بالأخبارِ وكُلِّ ما يُراد. وأقاما فيهِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ وسافَرا مُهاجِرَينِ وهُو صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَى خَيرِ مَطِيَّة، فتَبِعَهُما سُراقَةُ لِيَرُدَّهُما بِما حُبَا مِن الحُطامِ إذ عَمِيَ عَنِ الرَّشاد. وتَعَرَّضَ لَهُما فابَتَهَلَ فيهِ النَّبِيُّ إلى اللهِ وقالَ يا أرضُ خُذِيهِ فَساخَتْ قَوائمُ فَرَسِهِ القَوِيَّة، وسألَهُ الأَمانَ فمَنَحَهُ الرُّؤوفُ ونَجَّاهُ مِن الإرعاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما خَفَقَتِ الدَّوابُّ البَرِّيَّةُ والبَحرِيَّة، وما تَنَفَّسَ الكُلُّ بِحُسبانٍ وسَبَّحَ الْجَماد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ومَرَّ صَلَّىٰ الله عَلَيْهِ وسَلَّم بِقَدِيدٍ عَلَى أُمِّ مَعْبَدٍ الخُزاعِيَّة، وطَلَبَ مِنها ابتِياعَ لَبَنٍ أو لَحْمٍ فَلَمْ يَكُنْ لَدَيها شَيءٌ مِن هذه الأزواد. فاستأذَنَها في حَلْبِ شاةٍ لها عَجْفاءَ وهي بِها حَرِيَّة، فأذِنَتْ لَهُ وَمَسَحَها بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ فانهَلَّ ضَرعُها وجاد. وحَلَبَ وسَقَىٰ الْجَيشَ ثُمَّ شَرِبَ آخرَهُم ومَلأ الإناءَ وغادَرَهُ لَدَيها آيَةً جَلِيَّة، فَجاءَ أبُو مَعْبَدٍ ورأىٰ اللَّبَنَ وما عَليها مِن السُّرُورِ المُزاد. فقالَ أنَّىٰ لَكِ هذا ولَمْ يَكُنْ في خِبائكِ شَيءٌ بالكُلِّيَّة، ولا بِالبَيتِ شاةٌ بِها حَلْبٌ يُصطاد. فأخَبرَتهُ بِما رَأتْ مِن أمرِهِ وأقْسَمَ أن لَّو رَآهُ لآمَنَ بِهِ عَلَى الفَورِيَّة، وقَدِمَ المَدِينَةَ ودَخَلَها لِيَومِ الأُثنَينِ المُوافِقِ للمِيلاد. فَتَلَقَّاهُ الأنصارُ وتَباشَرُوا لِقُدُومِهِ بِحُسنِ طَوِيَّة، والكُلُّ يَرجُو النُّزُولَ بِدارِهِ مِن ذَوِي الإسعاد. فَنَزَلَ بِقُباءَ وأقامَ بِها ثَلاثَةَ أيَّامٍ عَدَدِيَّة، وأسَّسَ مَسجِدَها عَلَى تَقوىً مِن اللهِ في الفُؤاد. ثُمَّ أسَّسَ مَسجِدَهُ الذي بالمَدِينَةِ وشُرِّفَتْ بِهِ أرجاؤها الزَّكِيَّة، فَتَواتَرَ الوَحيُ وظَهَرَ الإسلامُ وانتَشَرَ في البِلاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أهْلِ العَزْمِ والطَّوِيَّة، الذين بَذَلُوا نُفُوسَهُم في اللهِ وقاتَلُوا أهْلَ الإلداد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وأمَّا وَصفُهُ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن جِهَةِ خِلْقَتِهِ الْجَمالِيَّة، فنَقُولُ كانَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أطوَلَ مِن المَربُوعِ وأقْصَرَ مِن المُشَذَّبِ الذي انْمَقَطَ وزاد. أبيَضَ اللَّونِ مُشْرَباً بِحُمْرَةٍ، فَخْمًا مُفَخَّمًا يَتَلألأُ وَجْهُهُ كالدَّائرَةِ القَمَرِيَّة، وقد صَحَّ أنَّه أبْهَىٰ وأزْهَرُ إيقاد. ضَلِيعَ الفَمِ أحْسَنَهُ يَفتَتِحُ الكَلامَ ويَختِمُهُ بشِدْقَيْهِ العَسَلِيَّة، مُفَلَّجَ الأسْنانِ أشْنَبَ كَما صَحَّ بِطَرِيقِ الإسناد. يَفْتَرُّ عن مِثلِ حَبِّ الغَمامِ وإذا ضَحِكَ قد تَبدُو نَواجِذُهُ الدُّرِّيَّة، وإذا صَمَتَ عَلاهُ الوَقارُ وإذا نَطَقَ يَتَحَدَّرُ في كَلامِهِ كالدُّرِّ المُنَظَّمِ بَل يَزداد. عَظِيمَ الهامَةِ واسِعَ الْجَبِينِ أَزَجَّ الحَواجِبِ سَوابِغَ غَيرَ مَقْرُونِيَّة، بَينَهُما عِرْقٌ يَدُرُّهُ الغَضَبُ واسِعَ العَينَينِ أدْعَجَهُما أي شَدِيدَ السَّواد. أهْدَبَ الأشْفارِ سَهْلَ الخَدَّيْنِ الوَرْدِيَّة، أقْنَى العِرْنِينِ[ ] يَعْلُوهُ نُورٌ وَقَّاد. يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أشَمَّ، كَثَّ اللِّحْيَةِ قد مَلأتْ ما بَينَ الوَتَدَينِ العَلِيَّة، رَجِلَ الشَّعْرِ ذا لَمْعٍ وفي سُحُومَتِهِ اشْتِداد. وقد كانَ شَعْرُهُ لَمْ يُجاوِزْ شَحْمَتَهُ الأُذُنِيَّة، عُنُقَهُ كَجِيدِ دُمِيَّةٍ، واسِعَ الصَّدْرِ بَعِيدَ ما بَينَ المَنْكِبَيْنِ الْجِياد. عارِي الثَدْيَيْنِ طَوِيلَ الزَّنْدَيْنِ رَحْبَ الرَّاحَةِ النَّدِيَّة، شَتْنَ الكَفَّيْنِ والقَدَمَيْنِ قَلِيلَ لَحْمِ العَقِبِ المُجاد. سائلَ الأطْرافِ خُمْصانَ الأخْمَصَيْنِ مَسِيحَ القَدَمَينِ بادِنًا ذا هَيْئةٍ وَسَطِيَّة، مُتَماسِكَ اللَّحْمِ أشْعَرَ الذِّرّاعَيْنِ والمَنْكِبَيْنِ وأعالِي الصَّدْرِ أفاد. سَواءَ البَطْنِ والصَّدْرِ مَسِيحَهُ ذا مَسْرُبَةٍ كالخَطِّ نُورِيَّة، سَبْطَ العَصَبِ ضَخْمَ الكَرادِيسِ أنْوَرَ المُتَجَرِّدِ يَعْلُو قَدُّهُ عَلَى الْجُمُوعِ والأفراد. بَينَ كَتِفَيْهِ خاتَمُ النُّبُوَّةِ وعِرْقُهُ كاللُّؤْلُؤِ وَعَرَقُهُ أطْيَبُ مِن النَّفَحاتِ المِسْكِيَّة، وهُو فَرْدٌ في مَحاسِنِهِ وقد تَضاءَلَتْ عن مُشابَهَتِهِ الأضْداد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أهْلِ الْجِيرَةِ المَحْمِيَّة، أهْلِ الصِّدْقِ والعَزْمِ والسَّداد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وكانَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ذا رِقَّةٍ ورَأفَةٍ وصِفاتٍ سَنِيَّة، شَفُوقًا بالأهْلِ وذَوِي الضَّعْفِ والرِّقِّ والأولاد. مُتَواضِعًا يِحْلِبُ شاتَهُ ويَعْلِفُ دابَّتَهُ ويَخْدِمُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ بِسِيرَةٍ سِرِّيَّة، ذا تَفَكُّرٍ بَرًّا تَقِيًّا راكِعًا سَجَّاد. شَدِيدَ الحَياءِ ولا يِحْقِرُ فَقِيرًا لِفَقْرِهِ ولا يَهابُ مَلِكًا لِمُلْكِهِ وسَطْوَتِهِ المَفنِيَّة، مُتَواصِلَ الأحزانِ كَثِيرَ الصَّمْتِ وقد أُوُتِيَ البُغضَ في اللهِ والوِداد. نَظَرُهُ إلى الأرضِ أطوَلُ مِن نَظَرِهِ إلى السَّماءِ العَلِيَّة، جُلُّ نَظَرِهِ المُلاحَظَةُ، يَنُسُّ[ ] أصْحابَهُ ويَتَفَقَّدُ أحْوالَهُم ويُسَيِّرُهُم باقْتِصاد. يَرْكَبُ البَعِيرَ والفَرَسَ والبَغْلَةَ والحِمارَ الذي مِن بَعضِ المُلُوكِ إليهِ مَهْدِيَّة، ويردُفُ خَلْفَهُ وقد رَدَفَ نَحْوًا مِن ثَلاثِينَ مُرْدَفًا كَما قالَ ابنُ مَنْدَهْ وأفاد. يُحِبُّ المَساكِينَ ويَجلِسُ مَعَهُم ويَعُودُ المَرضَى ويُشَيِّعُ الْجَنائزَ ويُجِيبُ الدَّاعِيَ بِسُرْعَةٍ فَورِيَّة، لَيسَ بِفاحِشٍ ولا مُتَفَحِّشٍ ولا فَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخَّابٍ بَلْ يَخفِضُ صَوتَهُ في كُلِّ ناد. وكانَ عَلَى ذَروَةِ العِلمِ والكَشفِ والتَّأنِي والصَّبرِ والشَّجاعَةِ المَرْوِيَّة، يَلبَسُ الصُّوفَ ويَنتَعِلُ المَخصُوفَ ويَعصِبُ الحَجَرَ عَلَى بَطنِهِ وقد أُوُتِي الوَرَعَ والزُّهدَ في دارِ النَّفاد. يُكثِرُ الذِّكرَ ويُقِلُّ اللَّغوَ ويُطِيلُ الصَّلاةَ ويُقْصِرُ الخُطَبَ الْجُمَعِيَّة، ولا يَستَنكِفُ أنْ يَمشِيَ مع الأرمَلَةِ والعَبِيدِ ويَقُومُ في ما عَناهُم باجتِهاد. وإذا مَشَىٰ كانَّما يَنحَطُّ مِن صَبَبٍ ويَتَكَفَّأُ في مِشيَتِهِ الْجَمالِيَّة، ولا يَدَعُ أحَدًا يَمْشِي خَلفَهُ ويَقُولُ خَلُّوا ظَهرِي لِلَمَلائكَةِ الأجناد. يُحِبُّ الطِّيبَ ويَكرَهُ الرَّائحَةَ الكَرِيهَةَ التي لا تَألَفُها الرَّوحانِيَّة، يَتَألَّفُ أهْلَ الشَّرَفِ ويُكرِمُ أهْلَ الفَضلِ ويَهدِي إلى طُرُقِ الرَّشاد. يُقَرِّبُ أهْلَ الحِلْمِ ويَقْرِي الضَّيفَ ويَحمِلُ الكَلَّ ويُعِينُ عَلَى النَّوائبِ الخَيرِيَّة، ويَبسُطُ رِداءَهُ ويَغُضُّ طَرْفَهُ ويَخفِضُ جَناحَهُ لِمَنْ تَبِعَهُ مِن المُؤمِنِينَ السُّعاد. ويَستَوصِي بالأرامِلِ واليَتامَىٰ والمَمالِيكِ ذَوِي الضَّعْفَةِ المَرئيَّة، ويَحُثُّ عَلَى الصَّومِ والصَّلاةِ ويأمُرُ بالمُعرُوفِ ويَنهَىٰ عن المُنكَرِ ويُحَرِّضُ عَلَى الْجِهاد. ويَكْظِمُ غَيظَهُ ولا يَنتَقِمُ مِن أحَدٍ لِنَفسِهِ ولا يَغضَبُ إلا أنْ تُنتَهَكَ حُرُماتُ اللهِ المَنهِيَّة، ولا يَطوِي بَشَرَهُ عن أحَدٍ ولا يَجفُوهُ، وإذا غَضِبَ أعرَضَ وأشاحَ عن أهْلِ الفَساد. ولا يُقابِلُ أحَدًا بِما يَكرَهُ ويَقبَلُ المَعذِرَةَ ويَعفُو عن مَنْ أساءَهُ ذُو الأخلاقِ القُرءانِيَّة، ويَبدَأُ مَن لَّقِيَهُ بالسَّلامِ ويَمزَحُ ولا يَقُولُ إلا حَقًّا وَرَشاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ خُصُوصًا أبي بَكْرٍ صاحِبِ الغارِ والصِّدِّيقِيَّة، وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ والتَّابِعِينَ بإحسانٍ إلى يَومِ التَّناد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ثُمَّ ارفَعُوا أيدِيكُم أيُّها الحاضِرونَ وأقبِلُوا عَلَى رَبِّكُم بِصِدِقِ النِّيَّة، فقد وَرَدَ أنَّهُ يُستَجابُ الدُّعاءُ عِندَ ذِكْرِ المِيلاد. وبَعدَ الفَراغِ مِنهُ كَما رَواهُ أهْلُ العِرفانِ الحَقِيقِيَّة، لأنَّهُما مِن أعظَمِ الأوقاتِ التي يُستَجابُ الدُّعاءُ فِيها فَنَسألُ اللهَ الْجَوَّاد. اللَّهُمَّ بِأسمائكَ كُلِّها الظَّاهِرَةِ والخَفِيَّة، وبِنُورِ وَجهِكَ الذي مَلأ أركانَ عَرشِكَ يا مَنْ تَنَزَّهَ عن شَرِيكٍ وأنْداد. وبِاسمِكَ العَظِيمِ الذي أذا دُعِيتَ بِهِ أجَبْتَ وإذا سُئلتَ بِهِ أعطَيتَ أوفَرَ عَطِيَّة، ونَتَوَسَّلُ إليك بِحَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحبِهِ وحَمَلَةِ شَرِيعَتِهِ أهْلِ الرَّشاد. وبأنبِيائِكَ ورُسُلِكِ وجُنُودِكَ المَلَكِيَّة، وبِكُلِّ مَنْ وَقَفَ بِبابِكَ يَرجُو رَحمَتَكَ وبِسائرِ صالِحِ العِباد. أنْ تَزرَعَ في قُلُوبِنا خَشْيَتَكَ ومَعْرِفَتَكَ اللَّدُنِّيَّة، وأنْ تَأخُذَ بِيَدِ كُلِّ مِنَّا إلى مَقصَدِهِ وتُلهِمَنا الصَّوابَ والسَّداد. وأنْ تَعفُوَ عَنَّا وتَغفِرَ ذُنُوبَنا وتَستُرَ عُيُوبَنا الظَّاهِرَةَ والخَفِيَّة، وتَفتَحَ أقفالَ قُلُوبِنا وتَجعَلَها مَحِلًّا لِلوارِداتِ الرَّحمانِيَّة، وتُهَيَّئَ نُفُوسَنا للاستِعداد. وأنْ تَهَبَنا عِلمًا نافِعًا وقَلبًا خاشِعًا ولِسانًا ذاكِرًا وتَوبَةً صِدِّيقِيَّة، وحِلمًا وصَبرًا وشُكرًا وذِكرًا مُدامًا بِحُضُورٍ واجتِهاد. وأنْ تَتَقَبَّلَ أعمالَنا وتُصلِحَ أحوالَنا وتَرزُقَنا جِوارَ نَبِيَّكَ في الدَّارِ الأُخرَوِيَّة، وتَحشُرَنا في زُمرَتِهِ وتَحتَ لِوائهِ وعن حَوضِهِ فَلا نُذاد. وأهِّلْنا لِلفَوزِ والكَمالِ والْجَمالِ وارزُقنا الشَّهادَةَ الخُصُوصِيَّة، وأمِّنَّا يَومَ الفَزَعِ الأكبَرِ ورَقِّنا أعلا المِهاد. وألزِمنا الصَّومَ والصَّلاةَ وسائرَ الطَّاعاتِ الفَرْضِيَّة والنَّفلِيَّة، وَوَفِّقنا والمُسلِمِينَ لِكُلِّ ما تَرضاه وفَرِّحنا في لِقائكَ يَومَ التَّناد. ومَتِّعنا بأبصارِنا وأسماعِنا وفَرِّجْ عَنَّا كُلَّ هَمٍّ وبَلِيَّة، واجعَلنا مِن التَّابِعِينَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ والمُهتَدِينَ بِهَدْيِهِ بِلا تِرداد. ونَعُوذُ بِكَ اللَّهُمَّ مِن الْجُبْنِ والبُخْلِ والكَسَلِ وسائرِ المَهالِكِ الرَّدِيَّة، والذُّلِّ والفاقَةِ والحاجَةِ لِلمَخلُوقِينَ والرُّكُونِ لأهْلِ الفَساد. ومِن فِتنَةِ القَبْرِ والدِّينِ والدُّنيا والزَّيغِ والبَغيِّ والزَّلزَلَةِ المَخْشِيَّة، والْجُوعِ العَطَشِ والبَرَصِ والْجُذامِ وداءِ القُلُوبِ وشَماتِةِ الحُسَّاد. وظُلمِ السَّلاطِينِ وكَيدِ الشَّياطِينِ والمَرَدَةِ الْجِنِّيَّة، وخائنٍ وساحِرٍ واجعَلْ عاقِبَةَ كُلٍّ مِن الْجَمِيعِ عَكسَ ما أراد. ونَسألُكَ اللَّهُمَّ أنْ تَرحَمَ ضَعْفَانا وتَشفِي مَرضَانا وتُؤَمِّنَ الرَّوعاتِ وتُصلِحَ الرُّعاةَ والرَّعِيَّة، وأنْ تَعُمَّ جَمعَنا هذا بِرَحمَتِكَ التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ لا انفِصامَ لَها ولا نَفاد. ونَسألُكَ اللَّهُمَّ الرِّفْقَ والقَناعَة والزُّهدَ والتَّخَلُّقَ بِالأخلاقِ الأحمَدِيَّة، وأنْ تُصَفِّي سَرائرَنا مِن الأغيارِ والكِبْرِ والرِّياءِ والعُجْبِ والحَسَدِ والأحقاد. وأنْ تُؤهِّلَنا لِطاعَتِكَ وتَأخُذَنا بِيَدِ عِنايَتِكَ وتَجمَعَنا بِحَضرَتِكَ القُدُسِيَّة، وأنْ تُخَلِّصَنا من مَّا نَحنُ فِيهِ مِن الأوزارِ والأدرانِ والأنكاد. وأنْ تَختِمَ لَنا وسائرَ الإخوانِ بالإيمانِ الكامِلِ وتُلهِمَنا الحُجَّةَ القَطْعِيَّة، وتُثَبِّتَنا عِندَ السُّؤالِ ولا تَفْضَحنا بَينَ عِبادِكَ يا مَن لا تَنفَعُهُ طاعَتُنا ولا يَضُرُّهُ العِناد. وامنَحنا الإنابَةَ إليكَ في الأقوالِ والأفعالِ بُكرَةً وعَشِيَّة، وآتِنا ما وَعَدتَّنا عَلَى رُسُلِكِ ولا تُخزِنا يَومَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخلِفُ المِيعاد. وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحبِهِ والنَّبِيِّينَ وآلِهِم والصَّحبِيَّة، وعَلَى سَيِّدِنا جِبرِيلَ ومِيكائيلَ وإسرافِيلَ وعِزرائيلَ وحَمَلَةِ العَرشِ وجَمِيعِ عِبادِكَ الصَّالِحِينَ في سائرِ البِلاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
اللَّهُمَّ اغفِرْ لِمُؤلِّفِهِ وكاتِبِهِ وقارِئهِ ولِمَنْ أصغَىٰ بِسَمْعِهِ إليهِ ولِمَنْ حَضَرَ مِنْ المُسلِمِينَ أجمَعِين، آمين يا رَبَّ العالَمِين.
وكان الفراغ من جمعه وتأليفه سنة 1327هـجرية، عَلَى صاحبها أفْضَلُ الصَّلاةِ وأزكَى التَّحِيَّة، آمين.
من كتاب السراج المنير في قصة ميلاد البشير النذير للعلم العلامة والحبر الفهامة العارف بالله تعالى الإمام المجدد الشيخ محمد أحمد الشيخ طه الشهيربــ((الركين))
أوَّلُ ما يبتدئ به القارئ فاتحة الكتاب مرةً واحدةً، والإخلاص ثلاثًا والمُعَوِّذَتَينِ ثلاثًا ثم يقرأ من أول سورة الفتح:
﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا ١ لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٢ وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا ٣ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٤ لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَئَِّاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٥﴾
ثُمَّ يهلل عشرين مرةً، ويقرأ من آخر سورة الفتح:
﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطَۡٔهُۥ فََٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا ٢٩﴾
ثُمَّ يقرأ هذه الصلاة: ﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ العَال، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ أضْحَى عَلَى نَهْجِهِمَا وَال﴾ ثلاثًا ثم يشرع في قراءة المولد.
الحَمدُ للهِ الذي بَدَأ الوُجُودَ بِنُورِ الذَّاتِ المُحَمَّديَّة، وأبرَزَهُ مُكَمَّلًا خَلْقًا وخُلُقًا كما أَراد. وجَعَلَهُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ خَلْقًا وآخِرَهُم بَعْثًا وأعلاهُم مَزِيَّة، وأرسَلَهُ للنَّاسِ كافَّةً وفَضَّلَهُ عَلَى سائرِ العِباد. فهُوَ واسِطَةُ الوُجُودِ وعَيْنُ مِرآةِ الشُّهُودِ وفَلَكُ الدَّائرةِ الْجَلالِيَّة، إنسانُ عَيْنِ الكَمالِ ونامُوسُ الْجَمالِ والهادي إلى الرَّشاد. ظاهِرُ هَيْكَلِ اللَّطائفِ وباطِنُ كَنْزِ المَعارِفِ اللَّدُنِّيَّة، السَّاري في مَيادِينِ الحَقائقِ والْجالِي لِدُجَىٰ الضَّلالِ بطَلْعَةِ نُورِهِ الوَقَّاد. الذي أُرِسِلَ بَشِيرًا للمُؤمِنينَ ونَذِيرًا للمُكَذِّبِينَ بِيَومِ الدِّينِ وأحْوالِهِ الغَيْبِيَّة، المَخصُوصُ بالشَّرَفِ والمَجْدِ والمَقامِ المَحمُودِ الشَّافِعُ السَّجَّاد. لَهُ الحَمدُ والشُّكرُ عَلَى ما أوْلَانا مِن نِعَمِهِ الفَضلِيَّة، إذ أهَّلَ عُقُولَنا للإيمانِ وأمَدَّنا بنِعْمَةِ الإستِمْداد. وخَصَّنا بالإتِّباعِ لهذا النَّبيِّ الأُمِّيِّ وجَعَلَنا بهِ أُمَّةً خَيرِيَّة، تأمُرُ بالمَعرُوفِ وتَنهَىٰ عن المُنكَرِ والفَساد. وتُؤمِنُ باللهِ وملائكتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ المُبَشِّرِيَّة، وسائرِ النَّبِيِّينَ والحَوضِ والصِّراطِ في المِيعاد. ومِن رَحمَتِهِ أنْ قالَ ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا﴾ فما أعظَمَ هذه المَزِيَّة، وأتْبَعَها ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ فَطُوبَىٰ لأُمَّةٍ هُم شُهَداءُ اللهِ في العِباد. وقد أجْزَلَ مِنَّتَهُ إذ جَعَلَ نَبِيَّنا خَيرَ نَبِيِّ أُرسِلَ إلى البَرِيَّة، وكِتابَنا خَيرَ كِتابٍ ودِينَنا خَيرَ دِينٍ وعن طُرُقِ الضَّلالَةِ حاد. وجَعَلَ عُلَماءَ مِلَّتِنا كأنبِياءِ الأُمَّةِ الإسرائيليَّة، سُبحانَهُ لا يُسألُ عمَّا يَفعلُ البَرُّ الرَّحِيمُ الْجَوَّاد. وأسألُهُ حِفظًا مِن الخَطَأِ والتَّبدِيلِ في هذه القِصَّةِ المَوْلِدِيَّة، وأنْ يأخُذَ بِيَدِي مِن العُثُورِ ويَشرَحَ صَدْري لذلكَ والفُؤاد. وأنْ يُؤهِّلَ ما يَسَّرَهُ للقَبُولِ وجَمِيعَ أفعالِنا الخَيرِيَّة، ويَنْظِمَنا في سِلْكِ المُحِبِّينَ ويَرفَعَنا دَرَجاتِ المُقَرَّبِينَ خَيرِ عِباد. وأصَلِّي وأسَلِّمُ عَلَى النُّورِ المَوصُوفِ بالتَّقَدُّمِ والأوَلِيَّة، وآلِهِ وصَحبِهِ الكِرامِ البَرَرَةِ الأمجاد. النَّاصِرِينَ الحَقَّ بِبِيضِ سُيُوفِهِم الهِندِيَّة، مُرتَضِينَ اللهَ رَبًّا بِخُضُوعٍ وتَذَلُّلٍ وانقِياد. وأشهَدُ أنْ لا إلٰهَ إلَّا اللهُ شَهادَةً حَقِّيَّة، أرقَىٰ بِها دَرَجَ العِنايَةِ وأستَمنِحُ مِن اللهِ المُراد. وأشهَدُ أنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ المُبَلِّغُ ما أُمِرَ بتَبلِيغِهِ بالكُلِّيَّة، الصَّادِقُ الأمِينُ الظَّاهِرُ الحُجَّةِ عَلَى أهْلِ الزَّيغِ والإلحاد. فكُلُّ النَبِيِّينَ والمُرسَلِينَ يُحشَرُونَ عَلَى قَدَمِهِ المَقْفِيَّة، ويستَظِلُّونَ تَحتَ لِوائِهِ ويَشرَبُونَ مِن حَوضِهِ المُزاد. وأنَّهُ الحَبِيبُ الذي تُرجَىٰ عَواطِفُ بِرِّهِ ونَفَحاتُهُ الشَّذِيَّة، والسِّراجُ المُنِيرُ الذي بِباهِرِ آياتِهِ أضاءتِ الأغوارُ والأنجاد. وأستَعِينُ بِلا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ وأتَبَرَّأُ عنهُما بالكُلِّيَّة، فهُوَ المُبْدِئُ المُعِيدُ المُوصِّلُ ما يُرِيدُ إلى ما أراد. وقد حَثَّ الشَّارِعُ بالإكثارِ مِنها عِندَ نُزُولِ البَلايا المَخشِيَّة، وَأوْعَدَ بالكَشفِ عن قائلِها فيَنجُو مِن ظُلمَةِ الشُّكُوكِ والإبعاد. ويَحوِي بِها عُقُودَ الْجَواهِرِ مِنْ المَواهِبِ اللَّدُنِّيَّة، التي شُرِّفَتْ بِها العَوالِمُ مِن قَولٍ وعَمَلٍ واعتِقاد. ثُمَّ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى صاحِبِ القَبضَةِ السَّنِيَّة، ما ارْفَضَّ[ ] في الأقطارِ صَوْبُ الغَمامِ وجاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وبَعدُ، فَيقُولُ العَبدُ الفقيرُ إلى مَولاهُ ذو العَطِيَّة، المُنفَرِدِ بالمُلكِ والخَلْقِ والرِزقِ والمَوتِ والإيعاد. هُوَ اللهُ الرَّحمنُ الرَّحيمُ الواحِدُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ العَلِيَّة، عالِمُ الغَيبِ والشَّهادَةِ المُنَزَّهُ عَنِ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ والأَنداد. الغَنِيُّ بِهِ عمَّا سِواهُ في جَميعِ أحوالِهِ الظَّاهِرَةِ والخَفِيَّة، الرَّاجِي تَمامَ المَواهِبِ في هذا النَّسَبِ المَحفُوظِ مِن الفَساد. مُحَمَّدٌ أحْمَدُ نَجلُ طَه، الشَّهِيرُ بالرُّكَينِ، السُّالِكُ عَلَى نَهجِ السُّنَّةِ المَرْضِيَّة، وَفَّقَهُ اللهُ والمُسلِمينَ لِما يَرضاهُ وأكرَمَهُ بِخَيرِ الزَّاد. اللَّهُمَّ أرسِلْ عَلَى الْجَمِيعِ مَعَ الأبناءِ والإخوانِ سَحائبَ رَحمَتِكَ العَمِيمِيَّة، وأوصِلْ كُلَّ سالِكٍ يَنمِي إلى سَبِيلِ الخَيرِ والرَّشاد. فَوَقَعَ في نَفسِي وتَعَلَّقَ خاطِرِي بِسَبقِ عَزْمٍ وحُسنِ طَوِيَّة، أن أُصَنِّفَ مَولِدًا في قِصَّةِ مِيلادِ النَّبيِّ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُزلَةٍ وانفِراد. ولَمْ أزَلْ أُقَدِّمُ رِجْلًا وأُأَخِّرُ أُخرَىٰ وأُحْجِمُ بِالكُّلِّيَّة، خَشيَةَ السُّقُوطِ في مَهاوِي الْجَهلِ ومَواطِنِ الغَفلَةِ وجَلىٰ الْفُؤاد. فَرَجَوتُ اللهَ تَعالى وتَوَسَّلتُ بأوجَهِ الخَلائقِ لَدَيهِ ونَبِيِّهِ ذِي الطَّلعَةِ البَهِيَّة، لِتَمامِ القَصْدِ ونَشرِ ما يَؤُولُ إلى السَّداد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما غَرَّدَتْ بَلابِلُ الخُطَباءِ فَوقَ أعوادِهِم المِنبَرِيَّة، وما استَوتْ صُفُوفُ المَلائكَةِ حَولَ العَرْشِ ومِنهُم راكِعٌ أو سَجَّاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وَلَمَّا أرادَ اللهُ تَعالى أن يُظهِرَ آثارَ قُدرَتِهِ الظَّاهِرَةِ الْجَلِيَّة، قَبَضَ قَبضَةً مِن نُورِهِ الباقِي سُبحانَهُ مَدَى الآباد. وأودَعَها مَكنُونَ غَيبِهِ لِحِكمَةٍ يَعلَمُها خَفِيَّة، فمِنها كانَ مُحَمَّدٌ الهادِي إلى الرَّشاد. وخَلَقَ مِن نُورِهِ العَرْشَ وحَمَلَتَهُ والكُرسِيَّ وخَزَنَتَهُ المَلَكِيَّة، واللَّوحَ والقَلَمَ والْجِنانَ ومِنهُ سائرُ الإمداد. ومِن رَشْحِهِ خَلَقَ أرواحَ الأنبِياءِ ومِن نَتائجِهِ أرواحَ السُّعَداءِ أهْلِ الخُصُوصِيَّة، وقَرَنَ اسْمَهُ مَعَ اسْمِهِ تعالىٰ في التَشَهُّدِ والأذانِ عَلَى رُؤوسِ الأشهاد. ووَرَدَ لَمَّا كُتِبَ عَلَى ساقِ العَرشِ (لا إلٰهَ إلَّا اللهُ) اضطَّرَبَ خَشيَةً لِعَظَمَةِ الرُّبُوبِيَّة، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ) اطمَأنَّ وسَكَنَتْ أركانُهُ مِن الإرتِعاد. وعَلَى الحُجُبِ والرَّفرَفِ واللَّوحِ والقَلَمِ والكُرسِيِّ وأوراقِ الشَجَرَةِ الطُّوبِيَّةِ[ ]، وعَلَى أجنِحَةِ المَلائكَةِ ونُحُورِ العِينِ وسُقُوفِ الْجِنانِ وِراثَةِ أهْلِ الإسعاد. فَتَنَبَّهْ أيُّها السَّامِعُ واستَبشِرْ بِما خُصَّ بِهِ نَبِيُّكَ مِن مَزِيَّة، لِما صَحَّ أنَّهُ أوَّلُ الأنبِياءِ نُورًا وذِكرًا وآخِرُهُم إيجاد. وناهِيكَ قَولُهُ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ (أوَّلُ ما خَلَقَ اللهُ نُورُ نَبِيَّكَ يا جابِرُ) عِنايَةً أزَلِيَّة، وغَيرُ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الإسناد. وكَما رُوِيَ عن جِبرِيلَ حِينَ قالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمْ عُمِّرْتَ يا جَبرِيلُ في الأوَلِيَّة؟ فَقالَ: لا أدرِي غَيرَ أنَّ كَوكَبًا يَبدُو في الحِجابِ الرَّابِعِ وَقَّاد. بَعدَ كلِّ سَبعِينَ ألفَ سَنَةٍ مَرَّةً جَلِيَّة، وقد رَأَيتُهُ اثنَينِ وسَبعِينَ ألفَ مَرَّةٍ بِإعداد. فأجابَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَمدًا للهِ وإظهارًا لِرُتبَتِهِ العَلِيَّة: وعِزِةِ رَبِّي وجَلالِه يا جَبرِيلُ أنا ذَلِكَ النُّورُ الذي يَعلُو ويَزداد. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما نُظِمَتْ عُقُودُ المَحافِلِ بِأوصافِهِ الدُّرِيَّة، وما أُبدِيَتْ شُؤونٌ في المُلكِ مِن حَضرَةِ العِزِّ والانفِراد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
فأقُولُ هُوَ سَيِّدُنا مُحَمَّدٌ بنُ عَبدِ اللهِ الشَّهِيرِ بالذَّبِيحِ عِندَ أهْلِ العُلُومِ النَّسَبِيَّة، ولِما وَرَدَ عَنهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: أنا ابنُ الذَّبِيحَيْنِ الأسياد. ابنُ عَبدِ المُطَّلِبِ واسمُهُ شَيْبَةُ الحَمْدِ لِحَوْيِهِ المَفاخَرَ السَّنِيَّة، ابنُ هاشِمٍ الذي اشتُهِرَ بالْجُودِ والشَّجاعَةِ في زَمَنِهِ وَقاد. ابنُ عَبدِ مَنافٍ بنُ قُصَيٍّ سُمِّيَ بِهِ لِتَقاصِيِهِ في بِلادِ قُضاعَةَ القَصِيَّة، واسمُهُ مُجَمِّعٌ لِجَمْعِهِ القَبائلَ بَعدَ التَّفَرُّقِ في البِلاد. ابنُ كِلابٍ بنُ مُرَّةَ بنُ كَعْبٍ بنُ لُؤيٍّ أنسابًا قَرَشِيَّة، ابنُ غالِبٍ بنُ فِهْرٍ الذي يَنتَمِي إلَيهِ الكُلُّ بِجَمْعٍ وانفِراد. واسمُهُ قُرَيشٌ، لقد تَفَرَّعَتْ عَنهُ هذه الأنسابُ القُرَشِيَّة، وما فَوقَهُ كِنانِيٌّ كَما جَنَحَ إلَيهِ أهْلُ السَّداد. ابنُ مالِكٍ بنُ النَّضِرِ بنُ كِنانَةَ المَحْمِيَّة، ابنُ خُزَيْمَةَ بنُ مُدْرِكَةَ بنُ إلياسَ الذي في قَومِهِ ساد. ابنُ مُضَرَ بنُ نِزارٍ بنُ مَعَدٍّ بنُ عَدْنانَ سِلْسِلَةٌ ذَهَبِيَّة، إلى الذَّبِيحِ إسماعِيلَ يَنتَمِي بِلا رَيبٍ عِندَ أهْلِ النَّصِّ المُستَفاد.
نَسَبٌ عنِ السِّـفاحِ مُبَرَّأُ
كَوكَـبٌ مِن كَوكَبٍ يتَلألأُ *
* وعُقُـودُهُ كاللآلِ تَنَضَّدُ
يَعلُو عَلَى الْجَـوزاءِ نُورٌ يَصْـعَدُ
فهَذا النَّسَبُ لَمْ يَلْحَقْهُ قَطُّ سِفاحُ الْجاهِلِيَّة، بِحِفِظٍ مِن اللهِ تَعالى في الآباءِ والأمَّهاتِ والأجداد. وهُوَ مِن صُلبٍ طاهِرٍ إلى رَحِمٍ طَيِّبٍ مِن الأوَلِيَّة، إلى أن وَصَلَ إلى عَبدِ اللهِ وبِنتِ وَهْبٍ سُلالَةِ الأمجاد. وضُوِّعَ[ ] مِنها مِسكُ الخِتامِ في الكَونِيَّة، وأشرَقَ مُحَيًّا طاهِرَ الْجِسمِ والفُؤاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما نُشِرَتْ سَحائبُ الرَّحمَةِ وعَمَّ نَداها أكْوانٌ قُطرِيَّة، وما زُخرِفَتْ مَيادِينُ المَحافِلِ في مَواسِمَ وأعياد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ثُمَّ اعلَمْ هذه القَبضَةَ الأصلِيَّةَ النَّورانِيَّة، ما زالَ يُنقَلُ مِن وَجهِ آدَمَ إلى ابنِهِ شِيثَ وغيرِهِ مِن الأجداد. حتى سُمِعَ في صُلبِ إلياسَ دَويٌ بالتَّلبِيَةِ الْجَهرِيَّة، فأخَذَ يَدعُو قَومَهُ ويَأمُرُهُم بِتَعظِيمِ بَيتِ اللهِ وإحياءِ سُنَنِ آبائهِم التِّلاد. وبَدَا نُورُ النُّبُوَّةِ في جَبِينِ جَدِّهِ عَبدِ المُطَّلِبِ وابنِهِ عَبدِ اللهِ بنَضارَةٍ بَهِيَّة، ثُمَّ نُقِلَ إلى مَقَرِّهِ مِن آمِنَةَ ونالتْ بِهِ شَرَفًا واسْوِداد. واستُودِعَ في صَدَفَتِها لَيلَةَ الْجُمعَةِ في رَجَبٍ عَلَى صَحِيحِ الأقوالِ المَحْكِيَّة، وذَلِكَ بَعدَ أن أرادَ اللهُ تَعالى إجلاءَ ظُلْمَةِ الشِّرْكِ والفَساد. ونُودِيَ تَلكَ اللَّيلَةَ في السَّماءِ وصِفاحِها والأرضِ وبِقاعِها الفَتْقِيَّة، بحَمْلِها لهَذا النُّورِ الواسِطَةِ الآلاءِ والإيجاد. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعالى رِضوانَ أن يَفتَحَ الفِردَوسَ العَلِيَّة، وامتَلأتِ الحُورُ طَرَبًا وسَما العَرْشُ شَرَفًا وازداد. وَنَطَقتْ بحَمْلِهِ كُلُّ دابَّةٍ لقُرَيشٍ بفَصِيحِ الألسُنِ العَرَبِيَّة، ولَهَجَتْ بخَبَرِهِ الأحبارُ في كلِّ ناد. وما زالَتْ أمُّهُ تَلقَى البَشائرَ بُكرَةً وعَشِيَّة، وتَرَىٰ العَجائبَ مِن خِصْبِ عَيشِها وبَرَكَةٍ تَنمُو لَدَيها في الأزواد. وكُسِيتِ الأرضُ بَعدَ طُولِ جَدْبِها مِن النَّباتِ حُلَلًا بَهِيَّة، وزُخرِفَتِ السَّمَـٰواتُ وانهَلَّ غَيثُها وجاد. وتَباشَرَتْ بِهِ وُحُوشُ المَشارِقِ والمَغارِبِ ودَوابُّها البَرِيَّةُ والبَحرِيَّة، وبَشَّرَتِ الْجِنُّ بإظلالِ زَمَنِهِ وطابَ الثِّمارُ ونَما الخَيرُ وزاد. وجاءَها آدَمُ في الشَّهرِ الأوَّلِ وقالَ لَها فيالَكِ مِن مَزِيَّة، لقد حَمَلتِ بمَن تَقَدَّمَ عُلاهُ عَلَى الرُّسُلِ وقاد. فسَمِّيِهِ إذا وَضَعْتِيهِ مُحَمَّدًا كَما سُمِّيِ بِهِ في الأوَلِيَّة، فإنَّهُ مِمَّن أكرَمَهُ اللهُ تَعالى بالنُّبُوَّةِ واصطَفاهُ مِن العِباد. ودامَتْ ببَرَكَتِهِ الأفراحُ وابتَهَجَتْ بنُورِهِ الأكوانُ الكَونِيَّة، ولَمْ تَجِدْ لحَمْلِهِ ثِقَلًا ولا فَزَعًا في نَومٍ ولا يَقَظَةٍ إلى حِينِ المِيلاد. وما زالَ في كُلِّ شَهرٍ يَأتِيها نَبِيُّ ذُو رُتبَةٍ عَلِيَّة، ببِشارَةٍ أُخرَى لِتَمامِ القَصْدِ وتَيَقُّنِ المُراد. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصِحبِهِ ما تَغالى ذُو وَلَهٍ أهامَتْهُ أشواقٌ عِطرِيَّة، وما تَرجَمَ بِلِسانِ الحَقِيقَةِ مَحَدِّثٌ عَنِ السُّعاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ولَمَّا جاءَ شَهرُ وِلادَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ التي هي أعظَمُ هَدِيَّة، وإشراقُ نُورِ مُحَيَّاهُ الذي عَمَّ سائرَ البِلاد. حَضَرَ أمَّهُ لَيلَةَ مَوَلِدِهِ آسيةُ ونِسْوَةٌ مِن الحُضَيرَةِ القُدُسِيَّة، ومَريَمُ ابنَةُ عِمرانَ التي جَعَلَها اللهُ وابنَها آيةً للعِباد. فاشتَدَّ بِها الطَّلْقُ وما زالتْ تَتَراكَمُ عَلَيها الأعْرافُ[ ] العِطْرِيَّة، وتَرَىٰ العَجائبَ مَن شُرُوقِ الأنوارِ وإظْلالِ المَلائكَةِ بأجنِحَتِها تَثبِيتًا للفُؤاد. وكانت إذ ذَّاكَ حاضَرةً عِندها أُمُّ عُثمانَ الطَّاهِرَةُ المَرْضِيَّة، وأُمُّ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوْفٍ سَيِّدِ أهْلِ الشُّكرِ الرَّاكِعِ السَّجَّاد. وذلكَ لَيلَةَ الأُثنَينِ ثانِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الأوَّلِ عَلَى صَحِيحِ الأقوالِ المَرْوِيَّة، قَبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ في عامِ الفِيلِ الذي رَدَّهُ اللهُ عَنِ الحَرَمِ ولِجَيشِهِ أباد. فوَلَدَتهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَى أكمَلِ الصِّفاتِ بعِنايَةٍ ربَّانِيَّة، فبُشرَى لَنا ولَها وكُلِّ مَن يَهوَى ذَلِكَ النُّورَ الذي في الكَونِ ساد.
هذه قصيدة القِيامِ، وذا مَحِلُّه
يا هُو يا الله (تُذكَرُ بَعد كُلِّ شَطْرَةٍ مِن البَيتِ)
صَلَواتُ اللهِ تَغشَىٰ أحَمَدَا
جَوهَرٌ مِن جَوهَرٍ تَنَضَّدَ
أَمْ عُقُودُ دُرٍّ نُظِّمَتْ
أَمْ فَجرٌ سَاطِعٌ بالأُفِقِ
أَمْ قَبَسٌ مِن نَّارٍ مِن كُلِّ ما
أَمْ طَيفُ خَيالٍ سَرَىٰ
هَذا مِثالٌ قد دَّنا
فكُلٌ الذي مَضَىٰ مُقتَبِسٌ
مَولِدٌ في لَيلَةٍ غَرَّا
وطَابَتْ أيَّامُ حَيِّها وانْجَلَتْ
وطَالِعُ سَعدِهِم قد ظَهَر
وزَاجِرَاتُ المَسْخِ قد ذَهَبَتْ
والحِسِانُ قد تَّهَيَّأتْ
واصطَفَّتِ الأملاكُ إذ دَنا
ورُجُومُ الشَّياطِينِ قد عَلَتْ
ورَاعَ أهْلَ الشِّركِ ونُكِّسَتْ
وبحَيرَةُ سَاوَ غَارَ مَاؤهَا
ومِلَّةُ الإسلامِ غَدَتْ مَوْصُولَةً
بُشرَى لَنَا بخَيرِ مُولَدٍ
رسُولَ اللهِ أكْرِمْ مُنشِئًا
وعُمَّ الحَاضِرِينَ جَمِيعَهُم
وأشمِلِ الأحبَابَ جَمْعًا
وانظُرْ لابنِ الرُّكَينِ مِن
فعَلَيكَ صَلَّى اللهُ ما
وما فاحَ عَرْفُ البِشْرِ مِن
* مَن عَلا فَخْرًا وسُؤدَدَا
أَمْ كَوكَبٌ مِن كَوكَبٍ تَوَقَّدا
أَمْ بَدْرٌ في حَالِكٍ بَدا
أَمْ شَمْسٌ نَارَتْ فأضَاءتْ مَعْهَدا
أَمْ سُرُاِدقَاتُ نُورٍ صَعَدا
مِن الحِجَازِ لقَلْبٍ صَدا
وَيحَ قَلبِي مِن سِهَامٍ سَرْمَدا
مِن نُّورِ مَولِدٍ فَاقَ مُذْ بَدا
نَالَتْ بِهَا تلكَ البِقَاعُ سُؤدَدا
أحَزَانُهُم مِن كَرْبٍ غَدا
وازدَهَىٰ الكَونُ ونَارَ بأحمَدا
وسَارَ العُسرُ يُسْرًا رَغَدا
والنُّورُ ساطِعٌ وعَمَّ المَشْهَدا
وسَارَعَتْ نُجُومُ الْجَوِّ قَاصِدا
شُهُبًا لَمْ يَستَرِقُوا سَمْعًا أَبَدا
أصنَامُهُم فسَاءتْ مَعْبَدا
وأنفَاسُ نَارِ الفُرْسِ خَامِدا
بخَيرِ أَبٍ فَاقَ مَوْلِدا
أتى بخَيرِ دِينٍ أسْعَدا
والذي يَتلُو ومَنْ قد شَهِدا
بالرِّضا كي يَلقوا المَقْصَدا
وحُلَّهُم مَقامَ الصِدقِ أَبَدا
ذُنُوبٍ طَمَتْ وعِدا
ناحَ طَيرٌ بالأرَاكِ وغَرَّدا
رُبا الحِجازِ والسُّوحِ ليَرْفُدا
ووُلِدَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَظِيفًا مَختُونًا طَيِّبًا دَهِينًا، واضِعًا يَدَيهِ عَلَى الأرضِ رافِعًا رَأسَهُ إلى السَّماءِ العَلِيَّة، مَقطُوعَ السُّرِّ مَكحُوَلَةً عَيناهُ بِلا مِرْواد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما ظَهَرَتْ أعْلامُ البَشائِرِ في أُمَّتِهِ الخَيرِيَّة، صَلاةً تُحِيطُ بالحَدِّ وتَستَغرِقُ كُلَّ الأعْداد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وظَهَرَ عِندَ بُرُوزِهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَوارِقُ وغَرائبُ عَجِيبِيَّة، كالإرتِجاجِ الواقِعِ في إيوانِ كِسرَىٰ المُشاد. وسَقَطَ أرْبَعٌ وعَشَرُ مِن شُرُفاتِهِ وغاضتْ بُحَيرَةُ ساوَةَ المَلِيَّة، وخَمَدَتْ نارُ فارِسٍ وكانُوا يُوقِدُونَها ألفَ عامٍ وما بَرِحُوا لَها عُبَّاد. وأصبَحَتِ الأصنامُ مُنَكَّسَةً رُؤوسُها إلى الأرضِ الصَّلْبِيَّة، إشعارًا بِبُطلانِ عَبادَتِها وقَطْعِ رَجاءِ العُبَّاد. وفاضَ وادِ سَماوَةَ المَعرُوفُ قِبَلَ النَّاحِيةِ الشَّامِيَّةِ، وعَمَّتْ بَرَكَتُهُ العُظمَىٰ في العالِمينَ وأحيَتْ سائرَ البِلاد. فأخَذَهُ عَبدُ المُطَّلِبِ وأَدخَلَهُ البَيتَ الحَرامَ وقامَ يَدعُو اللهَ تَعالى مَولاهُ ووَلِيَّه، ويُشكُرُهُ عَلَى ما مَنَّ بهِ عَلَيْهِ وجاد. وخَرَجَ مَعَهُ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نُورٌ أضاءتْ مِنهُ قُصُورُ الشَّامِ والمَدائنُ الرُّومِيَّة، وتَوالَى مِن البَشائرِ ما لا يُمكِنُ إحْصاؤهُ ولا تَسَعُهُ الطُّرُوسُ[ ] المُحَبَّرَةُ بالمِداد. وتَدَلَّتْ إليهِ النُّجُومُ وزُخرِفَتِ السَّمَـٰوَاتُ العَلِيَّة، ورُجِمَتِ الشَّياطِينُ المُستَرِقِينَ السَّمعَ بالمِرصاد. ثُمَّ أخَذَتهُ المَلائكَةُ وطافُوا بهِ جَميعَ الأرضِ والعَوالِمَ العُلوِيَّة، وفَرِحَتِ الخَلائقُ وسَمَتْ تلكَ اللَّيلَةُ عَلَى سائرِ الأيَّامِ بالمِيلاد. وتَشَرَّفَتْ بوُجُودِهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ الدِّيارُ الحَرَمِيَّة، وكُلُّ حَيِّ في بَرٍّ وبَحْرٍ وجَماد. ونَمَتِ الإرهاصاتُ ولاحَتْ أعلامُ الحَقِّ وأنوارُهُ العُمُومِيَّة، وأخَذَ دِينُ الشِّركِ في الاضمِحلالِ والنَّفاد. وقد تُوفِّيَ أبُوهُ بَعدَ حَمْلِهِ بشَهرَينِ عَلَى أشْهَرِ الأقوالِ المَرْوِيَّة، وغيرُ هذا قد رَدَّهُ أهْلُ الاجتِهاد. وقِيلَ خَتَنَهُ جَدُّهُ عَبدُ المُطَّلِبِ بَعدَ سَبْعِ لَيالٍ سَوِيَّة، وأَوْلَمَ وسَمَّاهُ مُحَمَّدًا رَجاءَ أنْ يَكثُرَ حَمْدُهُ بَينَ العِباد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما ظَهَرَتْ آياتٌ وأَسْرارٌ حِكَمِيَّة، وما صابَ صَوبُ الغَمامِ في كُلِّ ناحِيَّةٍ وجاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ثُمَّ نَشَأَ في حِجْرِ أُمِّهِ وأرضَعَتهُ مُدَةً مِن الزَّمانِ قَلِيلِيَّة، وتَلَتها ثُويبَةُ التي أعتَقَها أبُو لَهَبٍ ببِشارَةِ المِيلاد. فأرضَعَتهُ مَع ابنِها مَسرُوحٍ ولَمْ تَزلْ بِهِ حَفِيَّة، وأرضَعَتْ قَبلَهُ حَمزَةَ الذي حُمِدَ في نُصرَةِ الدِينِ وساد. ثُمَّ جاءَتهُ الفَتاةُ حَلِيمَةُ السَّعدِيَّة، فقَبِلَ ثَديَها وقامَتْ بكَفالَتِهِ بعَزمٍ واجتِهاد. وقد رَأتْ بهِ مِن البَرَكَةِ ما لَمْ يَكُنْ لَدَيها في السَّابِقِيَّة، كَسِمَنِ عَجافِها ودُرُورِ غَنَمِها الأحراد. وأخَصَبَ عَيشُها بَعدَ المَحْلِ قَبلَ العَشِيَّة، وأشرَقَ كَوكَبُ سَعدِها في سَماءِ الصُّعُودِ وَقَّاد. ولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُرعَةُ شَبابٍ لَمْ تَكُنْ في غَيرِهِ مَحكِيَّة، قامَ في ثَلاثٍ ومَشَى في خَمْسٍ وفي تِسْعٍ مِن الشُّهُورِ بفَصِيحِ النُّطقِ أفاد. وكانَ يَمُرُّ مَع أخِيهِ بالصِّبيانِ في مَلاعِبِهِم اللَّهوِيَّة، فيَقُولُ لهُ امْضِ لَمْ نُخْلَقْ لِهذا الذي عاقِبَتُهُ فَساد. ونَشَأَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَى أكمَلِ الحالاتِ المَرْضِيَّة، لَمْ يُرَ قَذَرٌ بِعَينَيهِ ولا بفَمِهِ كَسائرِ الأولاد. ويُصبِحُ كَحِيلًا صَقِيلًا لَمْ تَشْكُ في صِباهُ جُوعًا ولا عَطَشًا نَفسُهُ الأبِيَّة، وذلكَ لِحُسنِ نَشأتِهِ وعَفافِةِ نَفسِهِ وقَناعَتِهِ عن الأزْواد. وكانَ يَرعَىٰ الغَنَمَ مع أخيِهِ بالأودِيَةِ الأبْطَحِيَّة، فيُظَلِّلُهُ الغَمامُ وتَسرَحُ أغنامُهُم في خِصْبٍ وتَؤوبُ شِباعًا جِياد. فَجاءَهُ ذاتَ يَومٍ مَلَكانِ وبِيَدِ أحَدِهِمْ طِسْتٌ مِن الألوانِ الذَّهَبِيَّة، مَملُوءٌ ثَلجًا فأَخذاهُ مِن بَينِ الصِّبيانِ بلُطْفٍ وَوِداد. فضَجَعَاهُ برِفْقٍ وشَقَّا صَدْرَهُ مِن غَيرِ أذِيَّة، وأخرَجا مِنهُ عَلَقَةً ثُمَّ غَسَلاهُ حتى أنقَيا الفُؤاد. ومَلآهُ حِكمَةً ومَعانٍ إيمانِيَّة، فخاطاهُ وخَتَماهُ بخاتَمِ النُّبُوَّةِ فصارَ ذا سَمْعٍ وبَصَرٍ حادّ. وأنهَضاهُ ووَزَناهُ فرَجَّحَ بألفٍ مِن أُمَّتِهِ الخَيرِيَّة، فقالَ أحدُهُم لَو وَزَنتَهُ بالْجَمِيعِ لَرَجَحَ فَضلُهُ وزاد. ثُمَّ ضَمَّاهُ إلى صَدْرِهِما وقَبَّلا رَأسَهُ وما بَينَ عَينَيهِ الزَّكِيَّة، وقالا لَنْ تَراعَ فوَحَقِّكَ عَلَى اللهِ لَقَرَّتْ عَيناكَ لَو تَدرِي ما بِكَ يُراد. فرَدَّتهُ حَلِيمَةُ إلى أُمَّهِ وسافَرَتْ بهِ إلى المَدِينَةِ النَّبَوِيَّة، ثُمَّ عادَتْ فأدرَكَتْها بالأبْواءِ الوَفاةُ ودُفِنَتْ بتلكَ الواد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أُولاتِ الأُمُورِ الخَيرِيَّة، الذين باعُوا نُفُوسَهُم للهِ رَبِّ العِباد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
فحَمَلَتهُ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حاضِنَتُهُ أُمُّ أيمَنَ الحَبَشِيَّة، التي زَوَّجَها بَعدُ مِن زَيدٍ بنِ حارِثَةَ مَولاهُ ذو الأحْفاد. وأدخَلَتْهُ عَلَى جَدِّهِ عَبدِ المُطَّلِبِ فضَمَّهُ إليهِ وأثنَى عَلَيْهِ بالفَوْزِيَّة، وقالَ إنَّ لابنِي هذا شَأنٌ عَظَيمٌ فطُوبَى لِمَن يَصْفِي لَهُ الوِداد. ثُمَّ كَفَلَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ شَقِيقُ أبِيهِ عَبدِ اللهِ بشَفَقِيَّة، وذلكَ بَعدَ أن نَّشِبَتْ بجَدِّهِ أظفارُ المَنِيَّةِ وَباد. وقد شاهَدَ مِن بَرَكَتِهِ ما رَوَوْهُ عُلَماءُ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّة، في أكلٍ وشُرْبٍ وقد حَلَّ السُرُورُ بدارِهِ وانجابَتِ الأنْكاد. وكانَ إذا حَضَرَ الأكلَ مَعَ أولادِهِ شَبِعَتِ الْجَمْعِيَّة، وإذا غابَ خَرَجتْ تلكَ البَرَكَةُ وانمَحَقَ الزَّاد. وإذا انفَرَدُوا شَرِبَ أحَدُهُم قَعْبًا مِن الألبانِ السُّوقِيَّة، وإنْ كانَ مَعَهُم شَرِبُوا الْجَمَيعُ مِن قَعْبٍ واحِدٍ وعَنهُم زاد. فَرَقَّ لَهُ أبُو طالِبٍ حَتى لا يَستَطِيعُ فِراقَهُ دُونَ الذُّرِيَّة، وقَدَّمَهُ عَلَى سائرِ البَنِينَ وأحسَنَ إليهِ وأجاد. وبَعدَ تَمامِ اثنَيْ عَشَرَ سَنَةً سافَرَ بهِ إلى النَّاحِيَةِ الشَّامِيَة، فَعَرَفَهُ الرَّاهِبُ بَحِيرا لِما حَواهُ مِنْ وَصْفِ النُّبُوَّةِ بانفِراد. وأمَرَهُ برَدِّهِ إلى مَكَّةَ تَخَوُّفًا عَلَيْهِ مِن أهْلِ دِينِ اليَهُودِيَّة، خَشيَةَ أنْ يتَواطَؤا عَلَى إهلاكِهِ أحْبارُ تلكَ البِلاد. ثُمَّ أخَذَ بيَدِهِ وقالَ هذا سَيِّدُ المُرسَلِينَ وسيُبعَثُ في البَرِيَّة، وهذا خاتَمُ النُّبُوَّةِ بظَهرِهِ أقوَى إشْهاد. وسَجَدَ لهُ الشَّجَرُ والحَجَرُ فشَهِدتُّ ذَلِكَ عَلامَةً جَلِيَّة، وإنَّا نَجِدُ نَعْتَهُ في كِتابِنا القَدِيمِ ذي الرَّشاد. فحافِظْ عَلَيْهِ بعَزمٍ وهِمَّةٍ وحَمِيَّة، ثُمَّ قَفَلَ بهِ أبُو طالِبٍ ولَمْ يُجاوِزِ الْبُصْرَى إلى مَكَّةَ عاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما حُدِيتْ مَطايا السَّيرِ بهِمَمٍ عَلِيَّة، وما طافَ مُحرِمٌ بالبَيتِ ذُو قِرانٍ أو إفراد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وبَعدَ تَمامِ خَمْسٍ وعِشرِينَ سَنَةً أخَذَ يَتجُرُ في مالِ خَدِيجَةَ الفَتِيَّة، وسافَرَ الشَّامَ ومَعَهُ غُلامُها مَيسَرَةَ يَخدُمُهُ بعَزمٍ واجتِهاد. فلَمَّا وصَلَ إلى بُصْرَى نَزَلَ تَحتَ شَجَرَةٍ لدَى صَومَعَةِ نَسْطُورٍ المَحكِيَّة، فَمالَ إليهِ ظِلُّها الوارِفُ وَقاد. فَعَرَفَهُ ذَلِكَ الرَّاهِبُ وقالَ ما نَزَلَ تَحتَ هذه الشَجَرَةِ إلا نَبِيُّ الأُمَّةِ الأُمِّيَّة، وهُو الذي بَشَّرَ بهِ عِيسىٰ فقَبَّلَ رَأسَهُ ورِجْلَيهِ وأسلَمَ وانْقاد. ثُمَّ دَنا مِن مَيسَرَةَ وقالَ أفِي عَينَيهِ شَكْلَةٌ خَلْقِيَّة؟ فأجابَهُ بنَعَمْ، وتَحَقَّقَ لدَيهِ ما رَآهُ واستَفاد. فقَدَمَ عِيرَهُم إلى بَلدَتِهِ وكانَتَ تُظَلِّلُهُ المَلائكَةُ الرَّوحانِيَّة، فرَأَته ُخَدِيجَةُ وأخبَرَها مَيسَرَةُ بأنَّهُ رَأى ذَلِكَ في سَفَرِهِ كُلِّهِ إلى أنْ عاد. وضاعَفَ اللهُ تَعالى في تلكَ التِّجارَةِ ونَمَتْ أرباحُها الفَرعِيَّة، وتاقَتْ مِن فَورِها لتِجارَةٍ لَمْ ينَلْها كَساد. فخَطَبَتهُ لنَفسِها ودَعَتهُ إلى الزَّوجِيَّة، وأخبَرَ أعمامَه بما دَعتَهُ إليهِ فمالَتْ لَهُ القُلُوبُ والأجساد. وأقَرُّوهُ عَليها لِما بِها مِن دِينٍ ومالٍ وصَداقَةٍ وَفِيَّة، وجَمالٍ وحَسَبٍ ونَسَبٍ تَعلُو بهِ الأجداد. فخَطَبَ لَهُ أبُو طالِبٍ وأتَى بكَلِماتٍ سَجعِيَّة، وقالَ هُوَ واللهِ لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ بَعدُ يَهواهُ ذُو الإسعاد. فزَوَّجَها مِنهُ أبُوها وقِيلَ عَمُّها وقِيلَ أخُوها، أقوالٌ للعُلَماءِ مَروِيَّة، وأَولَدَها صَلَّىٰ الله عَلَيْهِ وسَلَّم سِتَّةً مِن الأولاد. وسابِعُ أبنائهِ إبراهِيمُ الذي لُقِّبَ بالخَلِيلِ فمِنْ مارِيَةَ القِبطِيَّة، واسْتُفْرِطُوا الذُكُورُ في صِغَرِهِم ولَمْ يَشِبُّوا الأسياد. وقَدِمَتْ إليهِ في أيَّامِ خَدِيجَةَ مُرضِعَتُهُ حَلِيمَةُ السَّعدِيَّة، فقامَ إليها مُسرِعًا وقابَلَها بالبِشرِ وحَباها مِن جُودِهِ أعلى إرفاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ نُجُومِ البَرِيَّة، عَدَدَ كُلِّ مَعلُومٍ للهِ بإعدامٍ وإيجاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ولَمَّا بَلَغَ خَمْسًا وثَلاثِينَ سَنَةً أخَذَتْ قُرَيشٌ في بِناءِ الكَعْبَةِ لانصِداعِها بالسُّيُولِ الأبْطَحِيَّة، فقَدِمُوا ومَعَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ونَقَلُوا لَها الحِجارَةَ مِن أجْياد. وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ يَومٍ نُودِيَ فيهِ وخاطَبْتُهُ المَلائكَةُ الرَّوحانِيَّة، عَلامَةً لظُهُورِ نُبُوَّتِه وأخذِ دَرَجَتِهِ في التَّسامِي والإصْعاد. فَلَمَّا فَرَغُوا مِن هَدمِها وعَلَتْ في البِناءِ هِمَّتُهُم القَوِيَّة، تَنازَعُوا في رَفعِ الحَجَرِ الأسوَدِ فكُلٌ مِن القَومِ رَجا رَفعَهُ وأراد. ثم اختَلَفُوا وتَعاظَمَتْ أقوالُهُم فتَراضَوا بتَحكِيمِ أوَّلِ داخِلٍ مِن بابِ السَّدَنَةِ الشَّيبِيَّة، فَكانَ النَّبِيُّ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوَّلَ داخِلٍ فقالُوا هذا الذي نَرْضاهُ ولِحُكمِهِ نَنْقاد. فحَكَمَ بَينَهُم ووَضَعَ الحَجَرَ في ثَوبٍ وأمَرَ القَبائلَ أهْلَ الْجَمعِيَّة، أنْ يَرفَعُوهُ جَمِيعًا إلى مَكانِهِ المُعْتاد. ثُمَّ باشَرَ وَضْعَهُ بيَدِهِ الطَّاهِرَةِ النَّدِيَّة، في مَقَرِّهِ مِن الرُّكنِ الذي يُدعَىٰ الآنَ بالأسهُمِ وأشاد. فهذا دَلالَةٌ عَلَى عُلُوِّ مَرتَبَتِهِ فَوقَ سائرِ البَرِيَّة، وإشعارًا لِمَن تَفَطَّنَ في عاقِبَتِهِ بأنَّهُم رَضَوهُ سَيِّدًا وسَلَّمُوا لَهُ القِياد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما انهَمَرَ وادِقٌ بالرَّحمَةِ العَمِيمِيَّة، وما تَعاقَبَ المَلَوانُ[ ] وصَحَّتِ الأرْواحُ والأجْساد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وابتُدِئ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ سِتَةَ أشهُرٍ بالرُّؤيَةِ الصَّادِقَةِ الْجَلِيَّة، فكانَ لا يَرَىٰ رُؤيا إلا جاءَتْ كفَلَقِ صُبحٍ مُعْتاد. ثُمَّ حُبِّبَ إليهِ الخَلاءُ فصارَ يَتَحَنَّثُ بِغارِ حِراءَ الليالي العَدَدِيَّة، وبَعدَ تَمامِ الأربَعِينَ انهَلَّ سَحابُ الفَضلِ وَجاد. فجاءَهُ المَلَكُ بصَرِيحِ الحَقِّ مِن الحَضْرَةِ الإلـٰهِيَّة، وقالَ لَهُ إقْرَأ، فقالَ ما أنا بِقارِئ، لِيَتَحَقَّقَ لَهُ المُراد. فَغَطَّهُ حتى بَلَغَ مِنهُ الْجَهدَ ثُمَّ أرسَلَهُ وفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثًا بالسَّوِيَّة، ثُمَّ قالَ لَهُ ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢﴾ فوَعاها مِنهُ الفُؤاد. وتَلَىٰ عَلَيْهِ حتى بَلَغَ ﴿عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ ٥﴾ في السَّابِقِيَّة، فَرَجَعَ بِها صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَرجُفُ جَأشُهُ ذُو ارتِعاد. وأتَى خَدِيجَةَ يَقُولُ زَمِّلُونِي.. زَمِّلُونِي.. بشَفَقِيَّة، وذلكَ لِما فاجَأهُ مِن الأمرِ المُخالِفِ لِلمُعْتاد. فزَمَّلُوهُ حتى ذَهَبَ عَنهُ الرَّوْعُ بالكُلِّيَّة، وأخَبَرَها الخَبَرَ وأتَتْ بِهِ وَرَقَةَ الذي خَطَّ مِن الإنجِيلِ وأجاد. فقالَتْ لَهُ اسمَعْ مِن ابنِ أخِيكَ، فقالَ ماذا تَرَىٰ يا ابنَ أُخَيَّه؟ فبَثَّ لَهُ ما حَكاهُ لخَدِيجَةَ وأعاد. فقالَ لَهُ هذا النَّامُوسُ الذي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسىٰ ذُو الآياتِ الغالِبِيَّة، يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعًا، لَيْتَنِي أكُونُ حَيًّا لأنصُرَكَ إذ يُخرِجُكَ الأضْداد. وفَتَرَ الوَحِيُ ليَشتاقَ إليهِ لِما رَأىٰ فيهِ مِن الكَرامَةِ والمَزِيَّة، ثَلاثَ سِنِينَ وقِيلَ ثَلاثِينَ شَهرًا عَلَى اختِلافِ الرِّواياتِ والإسْناد. ثُمَّ جاءَهُ بـ(يَا أيُّهَا المُدَّثِّرُ) ومِن ثَمَّ تَواتَرَ الوَحيُ ونَزَلَتْ عَلَيْهِ الآياتُ الحِكَمِيَّة، وصارَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَدعُو الخَلْقَ إلى اللهِ باجتِهاد. ويُنذِرُهُم ويَعرِضُ عليهِم الإسلامَ وأرَكانَهُ القَوِيَّة، وأعْلَمَهُم بأنَّهُ رَسُولُ اللهِ إلى سائرِ العِباد. فلَبَّتْهُ كُلُّ رُوحٍ خَصَّها اللهُ تَعالى بالسَّعادَةِ الأبَدِيَّة، ونَطَقَتْ ألْسِنَةُ المُوَحِّدِينَ وعَمِلَتْ جَوارِحُهُم بذلكَ وأذْعَنَ الفُؤاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما قامَتْ أركانُ الإسلامِ وعَلَتْ مَنائرُهُ السَّمِيَّة، عَلَى سائرِ الأديانِ ونالَ باغِضُهُ الرَّدَى والارتِعاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
فأوَّلُ مَن آمَنَ بِهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن الرِّجالِ أبُو بَكرٍ صاحِبُ الغارِ والصِّدِيقِيَّة، وكانَ يَأتِيهِ جِبرِيلُ مِن اللهِ تَعالى ذو الإيجاد. بالتَّحِيَّةِ والبِشارَةِ الصَّادِقَةِ الأُخَرَوِيَّة، بالتَّنَعُّمِ والتَّرَقِّي في أعلى المِهاد. ومِن النِّساءِ خَدِيجَةُ التي خَصَّها اللهُ تَعالى بالخَيرِ والفَوزِيَّة، وثَبَّتَ بها قَلبَهُ حِينَ الفَرَقِ[ ] وزادَهُ اشتِداد. ومِن المَوالِي زَيدٌ بنُ حارِثَةَ المَوصُوفُ مِن القَبِيلَةِ الكَلْبِيَّة، ومِن الأرِقَّاءِ بِلالٌ الذي عُذِّبَ في اللهِ ولَمْ يُذاد. ثُمَّ أسلَمَ عُثمانُ ذُو النُّورَينِ المَمدُوحُ في الآياتِ القُرءانِيَّة، وسَعْدٌ وسَعِيدٌ وقد عَدَّهُما جَمْعٌ مِن الأسْياد. وطَلحَةُ وعَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوْفٍ وابنُ العَمَّةِ صَفِيَّة، وغَيرُهُم مِمَّن خَصَّهُ اللهُ تَعالى ونَظَمَهُ مع تِلكَ السُّعاد. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصحابُهُ عِبادَتُهُم مَخفِيَّة، حتى أُنزِلَ عَلَيْهِ ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ﴾ فجَهَرَ بالدُّعاءِ وازداد. ودَخَلَ المَسجِدَ وعابَ الآلِهَةَ وأمَرَ برَفضِ عِبادَتِهِم بالكُلِّيَّة، فتَجَرَّؤا عَلَى مُبارَزَتِهِ بالعَداوَةِ أهْلُ الضَّلالَةِ والفَساد. وتَظاهَرُوا عَلَى إيذائِهِ فتَحامَى عَلَيْهِ أبُو طالِبٍ ذُو المآثرِ السَّنِيَّة، واشتَدَّ البَلاءُ عَلَى المُسلِمِينَ في كُلِّ ناد. فَهاجَرُوا في سَنَةِ خَمْسٍ إلى النَّاحِيَةِ النَّجاشِيَّة، وما زالَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثابِتَ الْجَنانِ داعِيًا إلى اللهِ بجِدِّ واجتِهاد. حتى خَرَجَ إلى الطَّائفِ ودَعا ثَقِيفًا إلى الإسلامِ فأبَوا أنْ يُجِيبُوهُ لتِلكَ الهَدِيَّة، وأعْرَضُوا واستَنفَرُوا وسَبُّوهُ بألْسِنَةٍ حِداد. وتَجاهَلَ عَلَيْهِ السُّفَهاءُ والعَبِيدُ التي مِنهُم مَقْرِيَّة، فرَمَوهُ بالحِجارَةِ حتى خُضِبَتْ بالدِّماءِ نَعْلاهُ الْجِياد. ولَمْ يَبْرَحُوا حتى أوقَعُوا بهِ كُلَّ أذِيَّة، فرَجَعَ إلى مَكَّةَ حَزِينًا واستَأذَنَهُ مَلَكُ الْجِبالِ في إهلاكِ ذَوِي العِناد. فقالَ إنِّي أرجُو أنْ يُخرِجَ اللهُ مِن أصلابِ تِلكَ العِصابَةِ الكُفرِيَّة، مَنْ يُؤمِنُ بِهِ ويَمتَثِلُ الأمرَ ويَنقاد. وفُرِضَ عَلَيْهِ قِيامُ بَعْضِ السَّاعاتِ اللَّيلِيَّة، ثُمَّ نُسِخَ بقَولِهِ تَعالى ﴿فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ﴾ فَخَفَّ الأمرُ للأعذارِ والْجِهاد. وفُرِضَ عَلَيْهِ رَكعَتانِ بالغَداةِ ورَكعَتانِ بالعَشِيَّة، ونُسِخَ ذَلِكَ بِإيجابِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ التي صارَتْ للدِّينِ عِماد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما تُلِيتِ الآياتُ القُرءانِيَّة، وما لانَتْ لذِكرِ الإلـٰهِ القُلُوبُ والأجساد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ولَمَّا واجَهَهُ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَزِيدُ العِنايَةِ الإلـٰهِيَّة، أُسرِيَ برُوحِهِ وجَسَدِهِ يَقَظَةً كَما بِهِ الْجُمهُورُ أفاد. فجاءَهُ جِبرِيلُ بالبُراقِ مُهَيَّأً لِيَرْكَبَهُ فنَفَرَ بصُعُوبَةٍ بَهِيمِيَّة، فقالَ لَهُ جِبرِيلُ تَأَدَّبْ، ما رَكِبَكَ أحَدٌ أكرَمُ عَلَى اللهِ مِن مُحَمَّدٍ الهاد. فذَلَّ ورَكِبَ عَلَيْهِ مِن المَسجِدِ الحَرامِ إلى المَسجِدِ الأقْصَىٰ ورِحابِهِ الحَرَمِيَّة، ثُمَّ نَزَلَ ورَبَطَهُ بِبابِ المَسجِدِ ودَخَلَ وصَلَّىٰ بالنَّبِيِّينَ الأسياد. ومَسَّهُ ظَمَأٌ فأُوتِيَ بإناءٍ مِن لَبَنٍ وإناءٍ مِن خَمْرٍ فاختارَ الشَّرْبَةَ اللَّبَنِيَّة، فناداهُ جِبرِيلُ أصَبْتَ الفِطْرَةَ والسَّداد. ثُمَّ دُلِّيَ المِعراجُ فَعَرَجَ بِهِ إلى السَّمَـٰوَاتِ العَلِيَّة، وزُخْرِفَتْ لِقُدُومِهِ وفُتِّحَتْ أبوابُها واصطَفَّتْ مَلائكَتُها العُبَّاد. فلَقِيَ في السَّماءِ الدُّنيا آدَمَ الذي جَعَلَهُ اللهُ أبًا للخَلِيقَةِ البَشَرِيَّة، فقَرَّتْ بِهِ عَيناهُ وقالَ مَرحَبًا بِمَنْ هُو ابنٌ ونَبِيٌّ قد ساد. وفي الثَّانِيَةِ لَقِيَ يَحيَىٰ وعِيسَىٰ المُؤيَّدَ بالرُّوحِ القُدُسِيَّة، وفي الثَّالِثَةِ لَقِيَ يُوسُفَ الصِّدِّيقَ الذي افْتَتَنَتْ بِهِ زُلَيْخُ ولَمْ تَظْفَرْ بالمُراد. وفي الرَّابِعَةِ لَقِيَ إدْرِيسَ الذي رَفَعَهُ اللهُ مَكانًا عَلِيًّا وأكرَمَهُ بالصِّدِّيقِيَّة، وفي الخامِسَةِ لَقِيَ هارُونَ المُحَبَّبَ في البِلاد. وفي السَّادِسَةِ لَقِيَ مُوسَىٰ الذي رَدَّهُ لِتَخفِيفِ الصَّلاةِ ورَسُولَ الأُمَّةِ الإسرائيليَّة، وفي السَّابِعَةِ لَقِيَ إبراهِيمَ خَلِيلَ اللهِ وصَفْوَتَهُ مِن العِباد. ولَمْ يَزَلْ يَرقَىٰ إلى سِدْرَةِ المُنتَهَىٰ إلى الحَضْرَةِ العَرْشِيَّة، وعَلا الحُجُبَ ودَنا كَقابِ قَوسَينِ وخاطَبَ مَولاهُ الْجَوَّاد. ورآهُ بعَيْنِ الرَّأسِ مِن غَيرِ جِهَةٍ ولا كَيفِيَّة، كَما قالَ ابنُ عَبَّاسٍ أحَدُ الرَّاسِخِينَ الأفْراد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما ذُكِرَتْ شَمائِلُهُ المَحمُودِيَّة، ودامَ السُّرُورُ بِنَشْرِها وعَمَّ الخَيرُ كُلَّ واد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وفُرِضَ عَلَيْهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَمْسِينَ صَلاةً يَومِيَّة، ثُمَّ انهَلَّ سَحابُ الفَضْلِ بالتَّخفِيفِ وَجاد. فرُدَّتْ إلى خَمْسٍ، ثَلاثٌ بالغَداةِ واثنانِ بالعَشِيَّة، ولَها أجْرُ الخَمْسِينَ كَما شاءَهُ في الأزَلِ وأراد. وكُشِفَتْ لَهُ عَجائبُ المَلَكُوتِ وظَهَرَتْ لَدَيهِ غَرائبُهُ الغَيبِيَّة، وباشَرَهُ كُلُّ ذي مَكانَةٍ مِن المَلائكَةِ بالتَّرحِيبِ، وشَرِبَ مِن حَوضِهِ المُعَدِّ لأُمَّتِهِ في المِيعاد. ودَخَلَ البَيتَ المَعْمُورَ الذي يَدخُلُهُ كُلَّ يَومٍ سَبْعُونَ ألفَ مَلَكٍ عَدَدِيَّة، ثُمَّ لا يَعُودُونَهُ أهْلُ تِلكَ النَّوبَةِ إلى يَومِ التَّناد. وكانَ ذَلِكَ في لَيلَةِ سَبْعٍ وعِشرِينَ مِن رَجَبٍ قَبْلَ الهِجرَةِ اليَثرِبِيَّة، فعادَ في لَيلَتِهِ وقَصَّ الأمرَ فكَذَّبَهُ أهْلُ الإلحاد. وسالُوهُ عن بَيتِ المَقْدِسِ وعن حالِ عِيرِهِم فَنَعَتَ لَهُم البَيتَ بِصِفَتِهِ المَرْئيَّة، وأخبَرَهُم بِقُدُومِ العِيرِ وما حَصَلَ في سَيْرِهِم فَما زالُوا في شَكِّ وتِرْداد. وصَدَّقَهُ الصِّدِّيقُ لِسابِقِ سَعادَتِهِ الأزَلِيَّة، فَيا عَجَبًا لِمَنْ يَسْمَعُ بِهَذا ويُكَذِّبُ فَلَيسَ أقوَىٰ مِنهُ فَساد. ثُمَّ دَعا القَبائلَ في المَواسِمِ فآمَنَ بِهِ جَماعَةٌ مِن الأنصارِ أهْلِ الطَّوِيَّة، وأمَّرَ عَليهِم اثنَي عَشَرَ نَقِيبًا ذَوِي هِمَّةٍ وَسَداد. ومازالَ أهْلُ مَكَّةَ يُجادِلُونَهُ غَيْرَةً لأصنامِهِم المَنفِيَّة، ويَأتُونَهُ بِكُلِّ مَثَلٍ يَزِيدُهُم عن الحَقِّ إبعاد. فأعجَزَهُم بالبَراهِينِ القاطَعَةِ الْجَلِيَّة، كانشِقاقِ القَمَرِ وسُجُودِ الأشْجارِ ونُطْقِ الْجَماد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ الذين بايَعُوهُ بَيْعَةً حَقِيَّة، وهاجَرُوا الكُفْرَ ومَنْ والاهُ بالرِّماحِ الشَّاجِرَةِ والبِيْضِ الحِداد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ولَمَّا أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يَأذَنَ لِنَبِيِّهِ في الهِجرَةِ مِن مَكَّةَ إلى الدِّيارِ اليَثرِبِيَّة، وظَهَرَ دِينُ الحَقِّ رَغْمَ أنفِ المُشرِكِينَ وصارَ في امتِداد. رَمَتْهُ قُرَيشٌ بالسِّحرِ والكَهانَةِ والأقوالِ الشِّعرِيَّة، والاختِلاقِ وكَذَّبُوا الآياتِ وقالُوا إنْ هَذا إلا شَيءٌ يُراد. وتَشاوَرُوا عَلَيْهِ بِدارِ النَّدوَةِ فاجتَمَعَ رَأيُهُم بقَتلِهِ حَمِيَّةً جاهِلِيَّة، فَأتاهُ جِبرِيلُ وأخبَرَهُ بمَكرِهِم وما أضمَرُوهُ مِن الأحقاد. ثُمَّ أمَرَهُ أنْ لَّا يَبِيتَ في مَنزِلِهِ تِلكَ العَشِيَّة، وطَفِقُوا يَحتالُونَ بِهِ وقَعَدُوا لهُ بالمِرصاد. فخَرَجَ عَليهِم ونَثَرَ التُّرابَ عَلَى رُؤوسِهِم الخَطِيَّة، وأمَّ غارَ ثَورٍ ومَعَهُ الصِّدِّيقُ ذُو الإرشاد. فلَمَّا صَعِدُوا الْجَبَلَ أنبَتَ اللهُ تَعالى أمَّ غَيْلانَ التي بالرَّاءَةِ مَسْمِيَّة، عَلَى فَمِ الغارِ إغاظَةً لِهَؤلاءِ الحُسَّاد. وحامَتْ لَدَيهِم حَمائمُ وَحشِيَّة، ونَسَجَ العَنكَبُوتُ سِترًا يُخالُ قِدَمُهُ عَلَى المِيلاد. فجَدُّوا في طَلَبِهِم حتى انتَهَوْا إلى الغارِ وآثارُهُم مَرئِيَّة، وأيقَنُوا أنْ لَيسَ بِهِ أحَدٌ لِما رأَوْهُ وأعمَىٰ اللهُ أبصارَهُمُ الحِداد. وأرسَلَ عَلَى نَبِيِّهِ والصِّدِّيقِ ثَلاثَةً مِن المَلائكَةِ المَعصُومِيَّة، يَحُفُّونَهُم بأجنِحَتِهِم وأنزَلَ عَليهِمُ السَّكِينَةَ والاتِّئَاد. ولُدِغَ أبُو بَكرٍ في ثَقْبِ الغارِ حِينَ سَدَّهُ بِرِجْلِهِ عن أذِيَّة، فانتَبَهَ رَسُولُ اللهِ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ومَسَّ عَلَيْهِ فَشُفِيَ مَكانُهُ ولُمْ يَزداد. وقالَ لَهُ صاحِبِي لا تَحزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا فَلَمْ نَخَفْ مِن أهْلِ المِلَّةِ الشِركِيَّة، فانقَلَبُوا خاسِئينَ عَنهُم وقد عَلا وُجُوهَهَم السَّواد. وكانَ يَرعَى حَولَهُم عامِرُ بنُ فُهَيرَةَ بأغنامِه ويُرِيحُها عَليهِم كُلَّ عَشِيَّة، وقِيلَ تَختَلِفُ إليهِم سَيِّدَتُنا أسماءُ ذاتُ النِّطاقِ بِما عَناهُم مِن الأزواد. ويأتِيهِم عَبدُ اللهِ بنُ أبِي بَكرٍ مُستَخفِيًا عن أعيُنِ الفِئةِ الكُفرِيَّة، فيَدلُجُ بِلَيلٍ ويُصبِحُ بمَكَّةَ ويأتِيهِم بالأخبارِ وكُلِّ ما يُراد. وأقاما فيهِ ثَلاثَةَ أيَّامٍ وسافَرا مُهاجِرَينِ وهُو صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَى خَيرِ مَطِيَّة، فتَبِعَهُما سُراقَةُ لِيَرُدَّهُما بِما حُبَا مِن الحُطامِ إذ عَمِيَ عَنِ الرَّشاد. وتَعَرَّضَ لَهُما فابَتَهَلَ فيهِ النَّبِيُّ إلى اللهِ وقالَ يا أرضُ خُذِيهِ فَساخَتْ قَوائمُ فَرَسِهِ القَوِيَّة، وسألَهُ الأَمانَ فمَنَحَهُ الرُّؤوفُ ونَجَّاهُ مِن الإرعاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ ما خَفَقَتِ الدَّوابُّ البَرِّيَّةُ والبَحرِيَّة، وما تَنَفَّسَ الكُلُّ بِحُسبانٍ وسَبَّحَ الْجَماد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ومَرَّ صَلَّىٰ الله عَلَيْهِ وسَلَّم بِقَدِيدٍ عَلَى أُمِّ مَعْبَدٍ الخُزاعِيَّة، وطَلَبَ مِنها ابتِياعَ لَبَنٍ أو لَحْمٍ فَلَمْ يَكُنْ لَدَيها شَيءٌ مِن هذه الأزواد. فاستأذَنَها في حَلْبِ شاةٍ لها عَجْفاءَ وهي بِها حَرِيَّة، فأذِنَتْ لَهُ وَمَسَحَها بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ فانهَلَّ ضَرعُها وجاد. وحَلَبَ وسَقَىٰ الْجَيشَ ثُمَّ شَرِبَ آخرَهُم ومَلأ الإناءَ وغادَرَهُ لَدَيها آيَةً جَلِيَّة، فَجاءَ أبُو مَعْبَدٍ ورأىٰ اللَّبَنَ وما عَليها مِن السُّرُورِ المُزاد. فقالَ أنَّىٰ لَكِ هذا ولَمْ يَكُنْ في خِبائكِ شَيءٌ بالكُلِّيَّة، ولا بِالبَيتِ شاةٌ بِها حَلْبٌ يُصطاد. فأخَبرَتهُ بِما رَأتْ مِن أمرِهِ وأقْسَمَ أن لَّو رَآهُ لآمَنَ بِهِ عَلَى الفَورِيَّة، وقَدِمَ المَدِينَةَ ودَخَلَها لِيَومِ الأُثنَينِ المُوافِقِ للمِيلاد. فَتَلَقَّاهُ الأنصارُ وتَباشَرُوا لِقُدُومِهِ بِحُسنِ طَوِيَّة، والكُلُّ يَرجُو النُّزُولَ بِدارِهِ مِن ذَوِي الإسعاد. فَنَزَلَ بِقُباءَ وأقامَ بِها ثَلاثَةَ أيَّامٍ عَدَدِيَّة، وأسَّسَ مَسجِدَها عَلَى تَقوىً مِن اللهِ في الفُؤاد. ثُمَّ أسَّسَ مَسجِدَهُ الذي بالمَدِينَةِ وشُرِّفَتْ بِهِ أرجاؤها الزَّكِيَّة، فَتَواتَرَ الوَحيُ وظَهَرَ الإسلامُ وانتَشَرَ في البِلاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أهْلِ العَزْمِ والطَّوِيَّة، الذين بَذَلُوا نُفُوسَهُم في اللهِ وقاتَلُوا أهْلَ الإلداد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وأمَّا وَصفُهُ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن جِهَةِ خِلْقَتِهِ الْجَمالِيَّة، فنَقُولُ كانَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم أطوَلَ مِن المَربُوعِ وأقْصَرَ مِن المُشَذَّبِ الذي انْمَقَطَ وزاد. أبيَضَ اللَّونِ مُشْرَباً بِحُمْرَةٍ، فَخْمًا مُفَخَّمًا يَتَلألأُ وَجْهُهُ كالدَّائرَةِ القَمَرِيَّة، وقد صَحَّ أنَّه أبْهَىٰ وأزْهَرُ إيقاد. ضَلِيعَ الفَمِ أحْسَنَهُ يَفتَتِحُ الكَلامَ ويَختِمُهُ بشِدْقَيْهِ العَسَلِيَّة، مُفَلَّجَ الأسْنانِ أشْنَبَ كَما صَحَّ بِطَرِيقِ الإسناد. يَفْتَرُّ عن مِثلِ حَبِّ الغَمامِ وإذا ضَحِكَ قد تَبدُو نَواجِذُهُ الدُّرِّيَّة، وإذا صَمَتَ عَلاهُ الوَقارُ وإذا نَطَقَ يَتَحَدَّرُ في كَلامِهِ كالدُّرِّ المُنَظَّمِ بَل يَزداد. عَظِيمَ الهامَةِ واسِعَ الْجَبِينِ أَزَجَّ الحَواجِبِ سَوابِغَ غَيرَ مَقْرُونِيَّة، بَينَهُما عِرْقٌ يَدُرُّهُ الغَضَبُ واسِعَ العَينَينِ أدْعَجَهُما أي شَدِيدَ السَّواد. أهْدَبَ الأشْفارِ سَهْلَ الخَدَّيْنِ الوَرْدِيَّة، أقْنَى العِرْنِينِ[ ] يَعْلُوهُ نُورٌ وَقَّاد. يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أشَمَّ، كَثَّ اللِّحْيَةِ قد مَلأتْ ما بَينَ الوَتَدَينِ العَلِيَّة، رَجِلَ الشَّعْرِ ذا لَمْعٍ وفي سُحُومَتِهِ اشْتِداد. وقد كانَ شَعْرُهُ لَمْ يُجاوِزْ شَحْمَتَهُ الأُذُنِيَّة، عُنُقَهُ كَجِيدِ دُمِيَّةٍ، واسِعَ الصَّدْرِ بَعِيدَ ما بَينَ المَنْكِبَيْنِ الْجِياد. عارِي الثَدْيَيْنِ طَوِيلَ الزَّنْدَيْنِ رَحْبَ الرَّاحَةِ النَّدِيَّة، شَتْنَ الكَفَّيْنِ والقَدَمَيْنِ قَلِيلَ لَحْمِ العَقِبِ المُجاد. سائلَ الأطْرافِ خُمْصانَ الأخْمَصَيْنِ مَسِيحَ القَدَمَينِ بادِنًا ذا هَيْئةٍ وَسَطِيَّة، مُتَماسِكَ اللَّحْمِ أشْعَرَ الذِّرّاعَيْنِ والمَنْكِبَيْنِ وأعالِي الصَّدْرِ أفاد. سَواءَ البَطْنِ والصَّدْرِ مَسِيحَهُ ذا مَسْرُبَةٍ كالخَطِّ نُورِيَّة، سَبْطَ العَصَبِ ضَخْمَ الكَرادِيسِ أنْوَرَ المُتَجَرِّدِ يَعْلُو قَدُّهُ عَلَى الْجُمُوعِ والأفراد. بَينَ كَتِفَيْهِ خاتَمُ النُّبُوَّةِ وعِرْقُهُ كاللُّؤْلُؤِ وَعَرَقُهُ أطْيَبُ مِن النَّفَحاتِ المِسْكِيَّة، وهُو فَرْدٌ في مَحاسِنِهِ وقد تَضاءَلَتْ عن مُشابَهَتِهِ الأضْداد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أهْلِ الْجِيرَةِ المَحْمِيَّة، أهْلِ الصِّدْقِ والعَزْمِ والسَّداد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
وكانَ صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم ذا رِقَّةٍ ورَأفَةٍ وصِفاتٍ سَنِيَّة، شَفُوقًا بالأهْلِ وذَوِي الضَّعْفِ والرِّقِّ والأولاد. مُتَواضِعًا يِحْلِبُ شاتَهُ ويَعْلِفُ دابَّتَهُ ويَخْدِمُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ بِسِيرَةٍ سِرِّيَّة، ذا تَفَكُّرٍ بَرًّا تَقِيًّا راكِعًا سَجَّاد. شَدِيدَ الحَياءِ ولا يِحْقِرُ فَقِيرًا لِفَقْرِهِ ولا يَهابُ مَلِكًا لِمُلْكِهِ وسَطْوَتِهِ المَفنِيَّة، مُتَواصِلَ الأحزانِ كَثِيرَ الصَّمْتِ وقد أُوُتِيَ البُغضَ في اللهِ والوِداد. نَظَرُهُ إلى الأرضِ أطوَلُ مِن نَظَرِهِ إلى السَّماءِ العَلِيَّة، جُلُّ نَظَرِهِ المُلاحَظَةُ، يَنُسُّ[ ] أصْحابَهُ ويَتَفَقَّدُ أحْوالَهُم ويُسَيِّرُهُم باقْتِصاد. يَرْكَبُ البَعِيرَ والفَرَسَ والبَغْلَةَ والحِمارَ الذي مِن بَعضِ المُلُوكِ إليهِ مَهْدِيَّة، ويردُفُ خَلْفَهُ وقد رَدَفَ نَحْوًا مِن ثَلاثِينَ مُرْدَفًا كَما قالَ ابنُ مَنْدَهْ وأفاد. يُحِبُّ المَساكِينَ ويَجلِسُ مَعَهُم ويَعُودُ المَرضَى ويُشَيِّعُ الْجَنائزَ ويُجِيبُ الدَّاعِيَ بِسُرْعَةٍ فَورِيَّة، لَيسَ بِفاحِشٍ ولا مُتَفَحِّشٍ ولا فَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخَّابٍ بَلْ يَخفِضُ صَوتَهُ في كُلِّ ناد. وكانَ عَلَى ذَروَةِ العِلمِ والكَشفِ والتَّأنِي والصَّبرِ والشَّجاعَةِ المَرْوِيَّة، يَلبَسُ الصُّوفَ ويَنتَعِلُ المَخصُوفَ ويَعصِبُ الحَجَرَ عَلَى بَطنِهِ وقد أُوُتِي الوَرَعَ والزُّهدَ في دارِ النَّفاد. يُكثِرُ الذِّكرَ ويُقِلُّ اللَّغوَ ويُطِيلُ الصَّلاةَ ويُقْصِرُ الخُطَبَ الْجُمَعِيَّة، ولا يَستَنكِفُ أنْ يَمشِيَ مع الأرمَلَةِ والعَبِيدِ ويَقُومُ في ما عَناهُم باجتِهاد. وإذا مَشَىٰ كانَّما يَنحَطُّ مِن صَبَبٍ ويَتَكَفَّأُ في مِشيَتِهِ الْجَمالِيَّة، ولا يَدَعُ أحَدًا يَمْشِي خَلفَهُ ويَقُولُ خَلُّوا ظَهرِي لِلَمَلائكَةِ الأجناد. يُحِبُّ الطِّيبَ ويَكرَهُ الرَّائحَةَ الكَرِيهَةَ التي لا تَألَفُها الرَّوحانِيَّة، يَتَألَّفُ أهْلَ الشَّرَفِ ويُكرِمُ أهْلَ الفَضلِ ويَهدِي إلى طُرُقِ الرَّشاد. يُقَرِّبُ أهْلَ الحِلْمِ ويَقْرِي الضَّيفَ ويَحمِلُ الكَلَّ ويُعِينُ عَلَى النَّوائبِ الخَيرِيَّة، ويَبسُطُ رِداءَهُ ويَغُضُّ طَرْفَهُ ويَخفِضُ جَناحَهُ لِمَنْ تَبِعَهُ مِن المُؤمِنِينَ السُّعاد. ويَستَوصِي بالأرامِلِ واليَتامَىٰ والمَمالِيكِ ذَوِي الضَّعْفَةِ المَرئيَّة، ويَحُثُّ عَلَى الصَّومِ والصَّلاةِ ويأمُرُ بالمُعرُوفِ ويَنهَىٰ عن المُنكَرِ ويُحَرِّضُ عَلَى الْجِهاد. ويَكْظِمُ غَيظَهُ ولا يَنتَقِمُ مِن أحَدٍ لِنَفسِهِ ولا يَغضَبُ إلا أنْ تُنتَهَكَ حُرُماتُ اللهِ المَنهِيَّة، ولا يَطوِي بَشَرَهُ عن أحَدٍ ولا يَجفُوهُ، وإذا غَضِبَ أعرَضَ وأشاحَ عن أهْلِ الفَساد. ولا يُقابِلُ أحَدًا بِما يَكرَهُ ويَقبَلُ المَعذِرَةَ ويَعفُو عن مَنْ أساءَهُ ذُو الأخلاقِ القُرءانِيَّة، ويَبدَأُ مَن لَّقِيَهُ بالسَّلامِ ويَمزَحُ ولا يَقُولُ إلا حَقًّا وَرَشاد. صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ خُصُوصًا أبي بَكْرٍ صاحِبِ الغارِ والصِّدِّيقِيَّة، وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ والتَّابِعِينَ بإحسانٍ إلى يَومِ التَّناد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
ثُمَّ ارفَعُوا أيدِيكُم أيُّها الحاضِرونَ وأقبِلُوا عَلَى رَبِّكُم بِصِدِقِ النِّيَّة، فقد وَرَدَ أنَّهُ يُستَجابُ الدُّعاءُ عِندَ ذِكْرِ المِيلاد. وبَعدَ الفَراغِ مِنهُ كَما رَواهُ أهْلُ العِرفانِ الحَقِيقِيَّة، لأنَّهُما مِن أعظَمِ الأوقاتِ التي يُستَجابُ الدُّعاءُ فِيها فَنَسألُ اللهَ الْجَوَّاد. اللَّهُمَّ بِأسمائكَ كُلِّها الظَّاهِرَةِ والخَفِيَّة، وبِنُورِ وَجهِكَ الذي مَلأ أركانَ عَرشِكَ يا مَنْ تَنَزَّهَ عن شَرِيكٍ وأنْداد. وبِاسمِكَ العَظِيمِ الذي أذا دُعِيتَ بِهِ أجَبْتَ وإذا سُئلتَ بِهِ أعطَيتَ أوفَرَ عَطِيَّة، ونَتَوَسَّلُ إليك بِحَبِيبِكَ مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحبِهِ وحَمَلَةِ شَرِيعَتِهِ أهْلِ الرَّشاد. وبأنبِيائِكَ ورُسُلِكِ وجُنُودِكَ المَلَكِيَّة، وبِكُلِّ مَنْ وَقَفَ بِبابِكَ يَرجُو رَحمَتَكَ وبِسائرِ صالِحِ العِباد. أنْ تَزرَعَ في قُلُوبِنا خَشْيَتَكَ ومَعْرِفَتَكَ اللَّدُنِّيَّة، وأنْ تَأخُذَ بِيَدِ كُلِّ مِنَّا إلى مَقصَدِهِ وتُلهِمَنا الصَّوابَ والسَّداد. وأنْ تَعفُوَ عَنَّا وتَغفِرَ ذُنُوبَنا وتَستُرَ عُيُوبَنا الظَّاهِرَةَ والخَفِيَّة، وتَفتَحَ أقفالَ قُلُوبِنا وتَجعَلَها مَحِلًّا لِلوارِداتِ الرَّحمانِيَّة، وتُهَيَّئَ نُفُوسَنا للاستِعداد. وأنْ تَهَبَنا عِلمًا نافِعًا وقَلبًا خاشِعًا ولِسانًا ذاكِرًا وتَوبَةً صِدِّيقِيَّة، وحِلمًا وصَبرًا وشُكرًا وذِكرًا مُدامًا بِحُضُورٍ واجتِهاد. وأنْ تَتَقَبَّلَ أعمالَنا وتُصلِحَ أحوالَنا وتَرزُقَنا جِوارَ نَبِيَّكَ في الدَّارِ الأُخرَوِيَّة، وتَحشُرَنا في زُمرَتِهِ وتَحتَ لِوائهِ وعن حَوضِهِ فَلا نُذاد. وأهِّلْنا لِلفَوزِ والكَمالِ والْجَمالِ وارزُقنا الشَّهادَةَ الخُصُوصِيَّة، وأمِّنَّا يَومَ الفَزَعِ الأكبَرِ ورَقِّنا أعلا المِهاد. وألزِمنا الصَّومَ والصَّلاةَ وسائرَ الطَّاعاتِ الفَرْضِيَّة والنَّفلِيَّة، وَوَفِّقنا والمُسلِمِينَ لِكُلِّ ما تَرضاه وفَرِّحنا في لِقائكَ يَومَ التَّناد. ومَتِّعنا بأبصارِنا وأسماعِنا وفَرِّجْ عَنَّا كُلَّ هَمٍّ وبَلِيَّة، واجعَلنا مِن التَّابِعِينَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ والمُهتَدِينَ بِهَدْيِهِ بِلا تِرداد. ونَعُوذُ بِكَ اللَّهُمَّ مِن الْجُبْنِ والبُخْلِ والكَسَلِ وسائرِ المَهالِكِ الرَّدِيَّة، والذُّلِّ والفاقَةِ والحاجَةِ لِلمَخلُوقِينَ والرُّكُونِ لأهْلِ الفَساد. ومِن فِتنَةِ القَبْرِ والدِّينِ والدُّنيا والزَّيغِ والبَغيِّ والزَّلزَلَةِ المَخْشِيَّة، والْجُوعِ العَطَشِ والبَرَصِ والْجُذامِ وداءِ القُلُوبِ وشَماتِةِ الحُسَّاد. وظُلمِ السَّلاطِينِ وكَيدِ الشَّياطِينِ والمَرَدَةِ الْجِنِّيَّة، وخائنٍ وساحِرٍ واجعَلْ عاقِبَةَ كُلٍّ مِن الْجَمِيعِ عَكسَ ما أراد. ونَسألُكَ اللَّهُمَّ أنْ تَرحَمَ ضَعْفَانا وتَشفِي مَرضَانا وتُؤَمِّنَ الرَّوعاتِ وتُصلِحَ الرُّعاةَ والرَّعِيَّة، وأنْ تَعُمَّ جَمعَنا هذا بِرَحمَتِكَ التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ لا انفِصامَ لَها ولا نَفاد. ونَسألُكَ اللَّهُمَّ الرِّفْقَ والقَناعَة والزُّهدَ والتَّخَلُّقَ بِالأخلاقِ الأحمَدِيَّة، وأنْ تُصَفِّي سَرائرَنا مِن الأغيارِ والكِبْرِ والرِّياءِ والعُجْبِ والحَسَدِ والأحقاد. وأنْ تُؤهِّلَنا لِطاعَتِكَ وتَأخُذَنا بِيَدِ عِنايَتِكَ وتَجمَعَنا بِحَضرَتِكَ القُدُسِيَّة، وأنْ تُخَلِّصَنا من مَّا نَحنُ فِيهِ مِن الأوزارِ والأدرانِ والأنكاد. وأنْ تَختِمَ لَنا وسائرَ الإخوانِ بالإيمانِ الكامِلِ وتُلهِمَنا الحُجَّةَ القَطْعِيَّة، وتُثَبِّتَنا عِندَ السُّؤالِ ولا تَفْضَحنا بَينَ عِبادِكَ يا مَن لا تَنفَعُهُ طاعَتُنا ولا يَضُرُّهُ العِناد. وامنَحنا الإنابَةَ إليكَ في الأقوالِ والأفعالِ بُكرَةً وعَشِيَّة، وآتِنا ما وَعَدتَّنا عَلَى رُسُلِكِ ولا تُخزِنا يَومَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخلِفُ المِيعاد. وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحبِهِ والنَّبِيِّينَ وآلِهِم والصَّحبِيَّة، وعَلَى سَيِّدِنا جِبرِيلَ ومِيكائيلَ وإسرافِيلَ وعِزرائيلَ وحَمَلَةِ العَرشِ وجَمِيعِ عِبادِكَ الصَّالِحِينَ في سائرِ البِلاد.
﴿اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّم عَلَى الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّة، وانفَحنا ببَرَكَتِها واهدِنا إلى الرَّشاد﴾
اللَّهُمَّ اغفِرْ لِمُؤلِّفِهِ وكاتِبِهِ وقارِئهِ ولِمَنْ أصغَىٰ بِسَمْعِهِ إليهِ ولِمَنْ حَضَرَ مِنْ المُسلِمِينَ أجمَعِين، آمين يا رَبَّ العالَمِين.
وكان الفراغ من جمعه وتأليفه سنة 1327هـجرية، عَلَى صاحبها أفْضَلُ الصَّلاةِ وأزكَى التَّحِيَّة، آمين.
من كتاب السراج المنير في قصة ميلاد البشير النذير للعلم العلامة والحبر الفهامة العارف بالله تعالى الإمام المجدد الشيخ محمد أحمد الشيخ طه الشهيربــ((الركين))